إرشاد الفحول
الشوكاني • أصول الفقه • ج1 ص125
تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا — دار الكتاب العربي
لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} 1 فإن الله سبحانه حكم "عليهم"* في هذه الآية حكما مؤكدا بأنهم كاذبون في قولهم {إنك لرسول الله} مع مطابقته للواقع فلو كان للمطابقة للواقع أو لعدمها مدخل في الصدق والكذب لما كانوا كاذبين لأن خبرهم هذا مطابق للواقع ولا واسطة بن الصدق والكذب.
وأجيب: بأن التكذيب راجع إلى خبر تضمنه معنى: {نشهد إنك لرسول الله} وهو أن شهادتهم هذه من صميم القلب وخلوص الاعتقاد لأن ذلك معنى الشهادة سيما بعد تأكيده ب"إن واللام والجملة الاسمية".
وأجيب أيضا: بأن التكذيب راجع إلى زعمهم الفاسد واعتقادهم الباطل؛ لأنهم يعتقدون أنه غير مطابق للواقع.
وأجيب أيضا: بأن التكذيب راجع إلى حلفهم المدلول عليه بقوله تعالى: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} 2.
ولا يخفى ما في الأجوبة من مزيد التكلف، ولكنه ألجأ إلى المصير إليها الجمع بين الأدلة. وأما العقل فمن وجهين:
الأول: أن من غلب على ظنه أن زيدا في الدار "فأخبر عن كونه في الدار"**، ثم ظهر أنه ما كان كذلك لم يقل أحد إنه كذب في هذا الخبر، بل يقال: أخطأ أو وهم.
الثاني: أن أكثر العمومات والمطلقات مخصصة ومقيدة فلو كان الخبر الذي لا يطابق المخبر عنه كذبا لتطرق الكذب إلى كلام الشارع.
واحتج الجمهور على ما قالوه من أن صدق الخبر مطابقته "للواقع"*** وكذبه عدمها بقوله سبحانه: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد} 3 فكذبهم الله سبحانه مع كونهم يعتقدون ذلك وبقوله: {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} 4، والآيات في هذا المعنى كثيرة.