إرشاد الفحول
الشوكاني • أصول الفقه • ج1 ص130
تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا — دار الكتاب العربي
الجمهور أيضا: بأن العلم الحاصل بالتواتر لو كان نظريا لما حصل لمن لا يكون من أهل النظر كالصبيان المراهقين وكثير من العامة، فلما حصل ذلك لهم علمنا أنه ليس بنظري.
وكما يندفع بأدلة الجمهور قول من قال إنه نظري، يندفع أيضا قول من قال إنه قسم ثالث، وقول من قال بالوقف؛ لأن سبب وقفه ليس إلا تعارض الأدلة عليه، وقد اتضح بما ذكرنا أنه لا تعارض فلا وقف.
واعلم أنه لم يخالف أحد من أهل الإسلام ولا من العقلاء في أن خبر التواتر يفيد العلم، وما روي من الخلاف في ذلك عن السمنية، والبراهمة فهو خلاف باطل لا يستحق قائله الجواب عليه.
شروط إفادة الخبر المتواتر للعلم الضروي:
ثم اعلم أن الخبر المتواتر لا يكون مفيدا للعلم الضروري إلا بشروط، منها ما يرجع إلى المخبرين، ومنها ما يرجع إلى السامعين:
فالتي ترجع إلى المخبرين أمور أربعة:
الأول:
أن يكونوا عالمين بما أخبروا به غير مجازفين، فلو كانوا ظانين لذلك فقط لم يفد القطع، هكذا اعتبر هذا الشرط جماعة من أهل العلم منهم القاضي أبو بكر الباقلاني.
وقيل: إنه غير محتاج إليه؛ لأنه إن أريد وجوب علم الكل به فباطل؛ لأنه لا يمتنع أن يكون بعض المخبرين به مقلدا فيه أو ظانا له أو مجازفا وإن أريد وجوب علم البعض فمسلم، ولكنه مأخوذ من شرط كونهم مستندين إلى الحس.
الشرط الثاني:
أن يعلموا ذلك عن ضرورة من مشاهدة أو سماع؛ لأن ما لا يكون كذلك يحتمل دخول الغلط فيه.
قال الأستاذ أبو منصور: فأما إذا تواترت أخبارهم عن شيء قد علموه، واعتقدوه بالنظر والاستدلال، أو عن شبهة فإن ذلك لا يوجب علما ضروريا لأن المسلمين مع تواترهم يخبرون الدهرية1 بحدوث العالم وتوحيد الصانع، ويخبرون أهل الذمة بصحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فلا يقع لهم العلم الضروري بذلك؛ لأن العلم به من طريق الاستدلال دون الاضطرار انتهى.