إرشاد الفحول
الشوكاني • أصول الفقه • ج1 ص183
تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا — دار الكتاب العربي
فذهب جماعة إلى أنه لا بد من ذكر السبب فيهما، وذهب آخرون إلى أنه لا يجب ذكر السبب فيهما، إذا كان بصيرا بالجرح والتعديل، واختار هذا القاضي أبو بكر، وذهب جماعة إلى أنه يقبل التعديل من غير ذكر السبب بخلاف الجرح "فلا يقبل إلا بذكر السبب؛ لأن أسباب التعديل كثيرة فيشق ذكرها"* بخلاف الجرح فإنه يحصل بأمر واحد، وأيضا سبب الجرح مختلف فيه، بخلاف سبب التعديل، وإلى هذا ذهب الشافعي.
قال القرطبي: وهو الأكثر من قول مالك، قال الخطيب: وذهب إليه الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده كالبخاري ومسلم، وذهب جماعة إلى أنه يقبل الجرح من غير ذلك السبب، ولا يقبل التعديل إلا بذكر السبب، قالوا: لأن مطلق الجرح يبطل الثقة ومطلق التعديل لا يحصل الثقة؛ لتسارع الناس إلى الظاهر، والحق أنه لا بد من ذكر السبب في الجرح والتعديل؛ لأن الجارح والمعدل قد يظنان ما ليس بجارح جارحا وقد يظنان ما لا يستقل بإثبات العدالة تعديلا، ولا سيما مع اختلاف المذاهب في الأصول والفروع، فقد يكون ما أبهمه الجارح من الجرح هو مجرد كونه على غير مذهبه، وعلى خلاف ما يعتقده، وإن كان حقا وقد يكون ما أبهمه من التعديل هو مجرد كونه على مذهبه، وعلى ما يعتقده، وإن كان في الواقع مخالفا للحق كما وقع ذلك كثيرا.
وعندي: أن الجرح المعمول به هو أن يصفه بضعف الحفظ أو بالتساهل في الرواية أو بالإقدام على ما يدل على تساهله بالدين. والتعديل المعمول به: هو أن يصفه بالتحري في الرواية والحفظ لما يرويه، وعدم الإقدام على ما يدل على تساهله بالدين فاشدد على هذا يديك تنتفع به عند اضطراب أمواج الخلاف.
فإن قلت: إذا ورد الجرح المطلق كقول الجارح: ليس بثقة أو ليس بشيء أو هو ضعيف، فهل يجوز العمل بالمروي مع هذا أم لا؟ قلت: يجب حينئذ التوقف حتى يبحث المطلع على ذلك على حقيقة الحال في مطولات المصنفات في هذا الشأن "كتهذيب الكمال" للمزي1 وفروعه وكذا "تاريخ الإسلام"2،