إرشاد الفحول
الشوكاني • أصول الفقه • ج1 ص250
تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا — دار الكتاب العربي
وأجيب عن الاعتراض الأول بأن المكذبين في قوله: {ويل يومئذ للمكذبين} إما أن يكونوا هم الذين تركوا الركوع لما قيل لهم اركعوا أو غيرهم، فإن كان الأول جاز أن يستحقوا الذم بترك الركوع، والويل بسبب التكذيب، وإن "كان"* الثاني لم يكن إثبات الويل للإنسان بسبب التكذيب منافيا لثبوت الذم لإنسان آخر بسبب تركه للمأمور به.
وأجيب عن الاعتراض الثاني: بأن الله سبحانه وتعالى إنما ذمهم لمجرد أنهم تركوا الركوع لما قيل لهم اركعوا. فدل على أن منشأ الذم هذا القدر لا القرينة.
واستدلوا أيضا بقوله سبحانه: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} 1 أي يعرضون عنه بترك مقتضاه: {أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} لأنه رتب على ترك مقتضى أمره إصابة الفتنة في الدنيا أو العذاب الأليم في الآخرة، فأفادت الآية بما تقتضيه إضافة الجنس من العموم أن لفظ الأمر يفيد الوجوب شرعا، مع تجرده عن القرائن؛ إذ لولا ذلك لقبح التحذير.
واستدلوا أيضا بقوله تعالى: {أفعصيت أمري} 2 أي تركت مقتضاه، فدل على أن تارك المأمور به عاص، وكل عاص متوعد، وهو دليل الوجوب لهذه الآية، ولقوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم} 3، والأمر الذي أمره به هو قوله تعالى: {اخلفني في قومي} 4 وهو أمر مجرد عن القرائن.
واعترض على هذا بأن السياق لا يفيد ذلك.
وأجيب: بمنع كونه لا يفيد ذلك.
واستدلوا أيضا بقوله سبحانه: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة} 5 والقضاء بمعنى الحكم و"أمرا" مصدر من غير لفظه، أو حال، أو تمييز، ولا يصح أن يكون المراد بالقضاء ما هو المراد في قوله: {فقضاهن سبع سماوات} 6؛ لأن عطف الرسول عليه يمنع ذلك، فتعين أن المراد الحكم، والمراد من الأمر القول لا الفعل.