إرشاد الفحول
الشوكاني • أصول الفقه • ج1 ص282
تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا — دار الكتاب العربي
الشارع لو قال نهيتك عن الربا نهي تحريم ولو فعلت لكان البيع المنهي عنه موجبا للملك لصح من غير تناقض، لا لغة ولا شرعا.
وأجيب: بمنع الملازمة؛ لأن التصريح بخلاف النهي قرينة صارفة له عن الظاهر، ولم ندع إلا أن ظاهره الفساد فقط.
وذهبت الحنفية إلى: أن ما لا تتوقف معرفته على الشرع كالزنا، وشرب الخمر يكون النهي عنه لعينه، ويقتضي الفساد إلا أن يقوم الدليل على أنه منهي عنه لوصفه، أو المجاور له، فيكون النهي حينئذ عنه لغيره، فلا يقتضي الفساد كالنهي عن قربان الحائض، وأما الفعل الشرعي وهو ما يتوقف معرفته على الشرع فالنهي عنه لغيره فلا يقتضي الفساد، ولم يستدلوا على ذلك بدليل مقبول.
والحق: أن كل نهي من غير فرق بين العبادات والمعاملات يقتضي تحريم المنهي عنه، وفساده المرادف للبطلان، اقتضاء شرعيا، ولا يخرج من ذلك إلا ما قام الدليل على عدم اقتضائه لذلك فيكون هذا الدليل قرينة صارفة له من معناه الحقيقي إلى معناه المجازي.
ومما يستدل به على هذا ما ورد في الحديث المتفق عليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد" 1 والمنهي عنه ليس عليه أمرنا فهو رد، وما كان ردا أي: مردودا كان باطلا، وقد أجمع العلماء مع اختلاف أعصارهم على الاستدلال بالنواهي على أن المنهي عنه ليس من الشرع، وأنه باطل لا يصح، وهذا هو المراد بكون النهي مقتضيا للفساد، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" 2 فأفاد وجوب اجتناب المنهي عنه، وذلك هو المطلوب، ودع عنك ما "راوغوا3"*به من الرأي.