الإتقان في علوم القرآن
جلال الدين السيوطي • علوم القرآن • ج3 ص 293
تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم — الهيئة المصرية العامة للكتاب
مع الغيبة ولفظ العبادة مع الخطاب لينسب إلى العظيم حال المخاطبة والمواجهة ما هو أعلى رتبة وذلك على طريقة التأدب وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة فقال: {الذين أنعمت عليهم} مصرحا بذكر المنعم وإسناد الإنعام إليه لفظا ولم يقل: "صراط المنعم عليهم" فلما صار إلى ذكر الغضب روى عنه لفظه فلم ينسبه إليه لفظا وجاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب فلم يقل: "غير الذين غضبت عليهم"تفاديا عن نسبة الغضب إليه في اللفظ حال المواجهة وقيل: لأنه لما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه الصفات العظيمة من كونه ربا للعالمين ورحمانا ورحيما ومالكا ليوم الدين تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بأن يكون معبودا دون غيره مستعانا به فخوطب بذلك لتميزه بالصفات المذكورة تعظيما لشأنه حتى كأنه قيل: "إياك يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة لا غيرك"
قيل: ومن لطائفه التنبيه على أن مبتدأ الخلق الغيبة منهم عنه سبحانه وتعالى وقصورهم عن محاضرته ومخاطبته وقيام حجاب العظمة عليهم فإذا عرفوه بما هو له وتوسلوا للقرب بالثناء عليه وأقروا بالمحامد له وتعبدوا له بما يليق بهم تأهلوا لمخاطباته ومناجاته فقالوا: {إياك نعبد وإياك نستعين}
تنبيهات
الأول: شرط الالتفات أن يكون الضمير في المنتقل إليه عائدا في نفس الأمر إلى المنتقل عنه وإلا يلزم عليه أن يكون في"أنت صديقي"التفات
التفات الثاني: شرطه أيضا أن يكون في جملتين صرح به صاحب الكشاف وغيره وإلا يلزم عليه أن يكون نوعا غريبا.
