الكافي في فقه الإمام أحمد — ج 1
ابن قدامة المقدسي • الفقه • ج1 ص456
دار الكتب العلمية
المسجد الأقصى جاز له الاعتكاف فيهما؛ لأنهما أفضل منه، بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» رواه مسلم.
وفي " المسند " عن رجال من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن رجلا قال يوم الفتح: يا نبي الله، إني نذرت لأصلين في بيت المقدس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: والذي بعث محمدا بالحق لو صليت هاهنا لقضى عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس» .
فصل:
فإن عين بنذره زمنا، تعين ولزمه أن يعتكف فيه؛ لأن الله تعالى عين لعباده زمنا فتعين بالنذر، فإن نذر اعتكاف العشر الأواخر لزمه دخول معتكفه قبل غروب الشمس ليلة إحدى وعشرين، ويخرج منه بعد غروب شمس الشهر؛ لأن ذلك هو العشر، تاما كان الشهر أو ناقصا.
وعنه: أنه يدخل معتكفه إذا صلى الصبح؛ لما روت عائشة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الصبح، ثم يدخل معتكفه» ، متفق عليه. وإن نذر عشر ليالي من الشهر فخرج الشهر ناقصا لزمه قضاء ليلة عن العاشرة؛ لأنه صرح بذلك، وإن نذر اعتكاف شهر بعينه لزمه دخول معتكفه قبل غروب الشمس من أوله، ويخرج منه بعد غروبها من آخره، تاما كان الشهر أو ناقصا؛ لأنه ذلك هو الشهر. وإن نذر اعتكاف شهر مطلق خير بين اعتكاف ما بين هلالين وبين اعتكاف ثلاثين يوما بالعدد؛ لأن شهر العدد ثلاثون يوما. ويلزمه التتابع؛ لأن الشهر بإطلاقه ينصرف إلى المتتابع فلزمه كما لو نذر يوما. وفيه وجه آخر لا يلزمه التتابع؛ لأنه معنى يصح فيه التفريق فلم يجب التتابع فيه بمطلق النذر، كما لو نذر اعتكاف ثلاثين يوما، ويدخل في نذره الليل والنهار؛ لأن الشهر عبارة عنهما، وإن نذر اعتكاف ثلاثين يوما لم يلزمه التتابع؛ لأن الأيام المطلقة توجد بدون التتابع، والنذر يقتضي ما يتناوله لفظه.
وقال القاضي: يلزمه التتابع لما ذكرنا في الشهر، فعلى قوله تدخل الليالي في نذره، وعلى الأول لا تدخل الليالي إلا أن ينويها أو يشترطها بلفظه؛ لأن اليوم اسم لبياض النهار، والتثنية والجمع تكرار للواحد، فإن شرط التتابع لزمه ودخل في نذره الليالي التي فيه خلل الأيام، وكذلك إذا نذر الليالي متتابعة دخل في نذره الأيام التي في خللها؛ لأن ذلك يدخل في خلل نذره المتتابع فلزمه كأيام العشر، وإن نذر اعتكاف يوم؛ لزمه دخول معتكفه قبل طلوع الفجر، ويخرج منه بعد مغيب الشمس ليستوفي اليوم يقينا، ولا يجوز تفريق ذلك في ساعات؛ لأن اليوم اسم للكامل المتتابع، فإن قال: لله
#