مدارج السالكين — ج 1
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص149
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
والتوسم معناه تفعل من السيما، وهي العلامة، فسمي المتفرس متوسما، لأنه يستدل بما يشهد على ما غاب، فيستدل بالعيان على الإيمان، ولهذا خص الله تعالى بالآيات والانتفاع بها هؤلاء، لأنهم يستدلون بما يشاهدون منها على حقيقة ما أخبرت به الرسل، من الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وقد ألهم الله ذلك لآدم، وعلمه إياه حين علمه أسماء كل شيء، وبنوه هم نسخته وخلفاؤه، فكل قلب فهو قابل لذلك، وهو فيه بالقوة، وبه تقوم الحجة، وتحصل العبرة، وتصح الدلالة، وبعث الله رسله مذكرين ومنبهين، ومكملين لهذا الاستعداد، بنور الوحي والإيمان، فينضاف ذلك إلى نور الفراسة والاستعداد، فيصير نورا على نور، فتقوى البصيرة، ويعظم النور ويدوم، بزيادة مادته ودوامها، ولا يزال في تزايد حتى يرى على الوجه والجوارح، والكلام والأعمال، ومن لم يقبل هدى الله ولم يرفع به رأسا دخل قلبه في الغلاف والأكنة، فأظلم، وعمي عن البصيرة، فحجبت عنه حقائق الإيمان، فيرى الحق باطلا، والباطل حقا، والرشد غيا،
#
