شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 1

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص175

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

الأمر والنهي للمحجوبين عن شهودهم وفنائهم، والأمر والنهي تلبيس عندهم، والمحجوب عندهم يشهد أفعاله طاعات أو معاصي، ما دام في مقام الفرق، فإذا ارتفعت درجته شهد أفعاله كلها طاعات، لا معصية فيها، لشهوده الحقيقة الكونية الشاملة لكل موجود، فإذا ارتفعت درجته عندهم فلا طاعة ولا معصية، بل ارتفعت الطاعات والمعاصي، لأنها تستلزم اثنينية وتعددا، وتستلزم مطيعا ومطاعا، وعاصيا ومعصيا، وهذا عندهم محض الشرك، والتوحيد المحض يأباه، فهذا فناء هذه الطائفة.

وأما الفناء عن شهود السوى: فهو الفناء الذي يشير إليه أكثر الصوفية المتأخرين، ويعدونه غاية، وهو الذي بنى عليه أبو إسماعيل الأنصاري كتابه وجعله الدرجة الثالثة في كل باب من أبوابه.

وليس مرادهم فناء وجود ما سوى الله في الخارج، بل فناؤه عن شهودهم وحسهم، فحقيقته: غيبة أحدهم عن سوى مشهوده، بل غيبته أيضا عن شهوده ونفسه، لأنه يغيب بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبموجوده عن وجوده، وبمحبوبه عن حبه، وبمشهوده عن شهوده.

وقد يسمى حال مثل هذا سكرا، واصطلاحا، ومحوا، وجمعا، وقد يفرقون بين معاني هذه الأسماء، وقد يغلب شهود القلب بمحبوبه ومذكوره حتى يغيب به ويفنى به، فيظن أنه اتحد به وامتزج، بل يظن أنه هو نفسه، كما يحكى أن رجلا ألقى محبوبه نفسه في الماء، فألقى المحب نفسه وراءه، فقال له: ما الذي أوقعك في الماء؟ فقال: غبت بك عني فظننت أنك أني.

وهذا إذا عاد إليه عقله يعلم أنه كان غالطا في ذلك، وأن الحقائق متميزة في ذاتها، فالرب رب، والعبد عبد، والخالق بائن عن المخلوقات، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، ولكن في حال السكر والمحو الاصطلام والفناء: قد يغيب عن هذا التمييز، وفي هذه الحال قد يقول صاحبها ما يحكى عن أبي يزيد أنه قال " سبحاني " أو " ما في الجبة إلا الله " ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقله معه لكان كافرا، ولكن مع سقوط التمييز والشعور، قد يرتفع عنه قلم المؤاخذة.

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية