مدارج السالكين — ج 1
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص181
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، إذا تناهوا في حقيقتهم أضافوا الجميع إلى الله إضافة المحبة والرضى، وجعلوها عين المشيئة والخلق، ضاهئوا الذين قال الله تعالى فيهم {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء} [النحل: 35] وقولهم عن آلهتهم {لو شاء الرحمن ما عبدناهم} [الزخرف: 20] وقوله {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} [الأعراف: 28] فاحتجوا بإقرار الله لهم قدرا وكونا على رضاه ومحبته وأمره، وأنه لو كره ذلك منهم لحال بينهم وبينه، ولما أقرهم عليه، فجعلوا قضاءه وقدره عين محبته ورضاه، وورثهم من سوى بين المخلوقات، ولم يفرق بالفرق النبوي القرآني.
وطائفة من المشركين ذكرت ذلك معارضين لأمر الله ونهيه، وما بعث به رسله، بقضائه وقدره، فعارضوا الحقيقة الدينية الشرعية بالحقيقة الكونية القدرية، وورثهم من يحتج بالقضاء والقدر في مخالفة الأمر والنهي، وكلا الطائفتين أبطلت أمره ونهيه بقضائه وقدره.
وظنت طائفة ثالثة أن إثبات القضاء والقدر يبطل الشرائع والنبوات، وأن المشركين احتجوا على بطلانها بإثباته، فجعلت التكذيب به من أصول الإيمان، بل أعظم أصوله، فردت قضاء الله وقدره الشامل العام بأمره ونهيه.
فانظر إلى اقتسام الطوائف هذا الموضع، وافتراقهم في مفرق هذا الطريق علما وخبرا، وسلوكا وحقيقة، وتأمل أحوال الخلق في هذا المقام، تنكشف لك أسرار العالمين، وتعلم أين أنت وأين مقامك؟ وتعرف ما جنى هذا الجمع وهذا الفناء على الإيمان، وما خرب من القواعد والأركان، وتتحقق حينئذ أن الدين كله فرقان في القرآن، فرق في جمع، وكثرة في وحدة، كما تقدم بيانه، وأن أولى الناس بالله وكتبه ورسله ودينه أصحاب الفرق في الجمع، فيقومون بالفرق بين ما يحبه الله ويبغضه، ويأمر به وينهى عنه، ويواليه ويعاديه، علما وشهودا، وإرادة وعملا، مع شهودهم الجمع لذلك كله في قضائه وقدره، ومشيئته الشاملة العامة، فيؤمنون بالحقيقة الدينية والكونية، ويعطون كل حقيقة حظها من العبادة.
فحظ الحقيقة الدينية القيام بأمره ونهيه، ومحبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه،
#
