شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 1

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص225

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

باحتمال أدناهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وقد فتح لك الباب، فإن كنت من أهل المعرفة فادخل، وإلا فرد الباب وارجع بسلام.

ومنها: أن أسماءه الحسنى تقتضي آثارها اقتضاء الأسباب التامة لمسبباتها، فاسم السميع، البصير يقتضي مسموعا ومبصرا، واسم الرزاق يقتضي مرزوقا، واسم الرحيم يقتضي مرحوما، وكذلك أسماء الغفور، والعفو، والتواب، والحليم يقتضي من يغفر له، ويتوب عليه، ويعفو عنه، ويحلم، ويستحيل تعطيل هذه الأسماء والصفات، إذ هي أسماء حسنى وصفات كمال، ونعوت جلال، وأفعال حكمة وإحسان وجود، فلا بد من ظهور آثارها في العالم، وقد أشار إلى هذا أعلم الخلق بالله، صلوات الله وسلامه عليه، حيث يقول: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون فيغفر لهم» .

وأنت إذا فرضت الحيوان بجملته معدوما، فمن يرزق الرزاق سبحانه؟ وإذا فرضت المعصية والخطيئة منتفية من العالم، فلمن يغفر؟ وعمن يعفو؟ وعلى من يتوب ويحلم؟ وإذا فرضت الفاقات كلها قد سدت، والعبيد أغنياء معافون، فأين السؤال والتضرع والابتهال؟ والإجابة وشهود الفضل والمنة، والتخصيص بالإنعام والإكرام؟

فسبحان من تعرف إلى خلقه بجميع أنواع التعرفات، ودلهم عليه بأنواع الدلالات، وفتح لهم إليه جميع الطرقات، ثم نصب إليه الصراط المستقيم، وعرفهم به ودلهم عليه {ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم} [الأنفال: 42] .

ومنها: السر الأعظم، الذي لا تقتحمه العبارة، ولا تجسر عليه الإشارة، ولا ينادي عليه منادي الإيمان على رءوس الأشهاد، بل شهدته قلوب خواص العباد، فازدادت به معرفة لربها ومحبة له، وطمأنينة به وشوقا إليه، ولهجا بذكره، وشهودا لبره، ولطفه وكرمه وإحسانه، ومطالعة لسر العبودية، وإشرافا على حقيقة الإلهية، وهو ما ثبت

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية