مدارج السالكين — ج 1
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص231
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
وقد أنكر على من زعم أنه خلقهم لغير ذلك، وأنهم لو خلقوا لغير عبادته وتوحيده وطاعته لكان خلقهم عبثا وباطلا وسدى، وذلك مما يتعالى عنه أحكم الحاكمين، والإله الحق، فإذا خرج العبد عما خلق له من الطاعة والعبودية، فقد خرج عن أحب الأشياء إليه، وعن الغاية التي لأجلها خلقت الخليقة، وصار كأنه خلق عبثا لغير شيء، إذ لم تخرج أرضه البذر الذي وضع فيها، بل قلبته شوكا ودغلا، فإذا راجع ما خلق له وأوجد لأجله فقد رجع إلى الغاية التي هي أحب الأشياء إلى خالقه وفاطره، ورجع إلى مقتضى الحكمة التي خلق لأجلها، وخرج عن معنى العبث والسدى والباطل، فاشتدت محبة الرب له، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، فأوجبت هذه المحبة فرحا كأعظم ما يقدر من الفرح، ولو كان في الفرح المشهود في هذا العالم نوع أعظم من هذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لذكره، ولكن لا فرحة أعظم من فرحة هذا الواجد الفاقد لمادة حياته وبلاغه في سفره، بعد إياسه من أسباب الحياة بفقده، وهذا كشدة محبته لتوبة التائب المحب إذا اشتدت محبته للشيء وغاب عنه ثم وجده وصار طوع يده، فلا فرحة أعظم من فرحته به.
فما الظن بمحبوب لك تحبه حبا شديدا، أسره عدوك، وحال بينك وبينه، وأنت تعلم أن العدو سيسومه سوء العذاب، ويعرضه لأنواع الهلاك، وأنت أولى به منه، وهو غرسك وتربيتك، ثم إنه انفلت من عدوه، ووافاك على غير ميعاد، فلم يفجأك إلا وهو على بابك، يتملقك ويترضاك ويستعينك، ويمرغ خديه على تراب أعتابك، فكيف يكون فرحك به، وقد اختصصته لنفسك، ورضيته لقربك، وآثرته على سواه؟
هذا، ولست الذي أوجدته وخلقته، وأسبغت عليه نعمك، والله عز وجل هو الذي أوجد عبده، وخلقه وكونه، وأسبغ عليه نعمه، وهو يحب أن يتمها عليه، فيصير مظهرا لنعمه، قابلا لها، شاكرا لها، محبا لوليها، مطيعا له عابدا له، معاديا لعدوه، مبغضا له عاصيا له، والله تعالى يحب من عبده معاداة عدوه، ومعصيته ومخالفته، كما يحب أن يتولى الله مولاه سبحانه ويطيعه ويعبده، فتنضاف محبته لعبادته وطاعته والإنابة إليه، إلى محبته لعداوة عدوه، ومعصيته ومخالفته، فتشتد المحبة منه سبحانه، مع حصول محبوبه، وهذا هو حقيقة الفرح.
وفي صفة النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الكتب المتقدمة " عبدي الذي سرت به نفسي " وهذا لكمال محبته له، جعله مما تسر نفسه به سبحانه.
ومن هذا ضحكه سبحانه من عبده، حين يأتي من عبوديته بأعظم ما يحبه،
#
