شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 1

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص234

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

يصلح إلا للوقود، كالشوك الذي لا يصلح إلا للنار، والشجرة تشتمل على الثمر والشوك، فاقتضى عدله سبحانه أن يسوق هذا العبد إلى ما لا يصلح إلا له، وأن يقيم عليه حجة عدله، فإن قدر عليه الذنب فواقعه، فاستحق ما خلق له، قال الله تعالى {وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين - لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين} [يس: 69 - 70] .

فأخبر سبحانه أن الناس قسمان: حي قابل للانتفاع، يقبل الإنذار وينتفع به، وميت لا يقبل الإنذار ولا ينتفع به، لأن أرضه غير زاكية ولا قابلة لخير البتة، فيحق عليه القول بالعذاب، وتكون عقوبته بعد قيام الحجة عليه، لا بمجرد كونه غير قابل للهدى والإيمان، بل لأنه غير قابل ولا فاعل، وإنما يتبين كونه غير قابل بعد قيام الحجة عليه بالرسول، إذ لو عذبه بكونه غير قابل لقال: لو جاءني رسول منك لامتثلت أمرك، فأرسل إليه رسوله، فأمره ونهاه، فعصى الرسول بكونه غير قابل للهدى، فعوقب بكونه غير فاعل، فحق عليه القول أنه لا يؤمن ولو جاءه الرسول، كما قال تعالى {كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون} [يونس: 33] ، وحق عليه العذاب، كقوله تعالى {وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار} [غافر: 6] .

فالكلمة التي حقت كلمتان: كلمة الإضلال، وكلمة العذاب، كما قال تعالى {ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} [الزمر: 71] وكلمته سبحانه، إنما حقت عليهم بالعذاب بسبب كفرهم، فحقت عليهم كلمة حجته، وكلمة عدله بعقوبته.

وحاصل هذا كله أن الله سبحانه، أمر العباد أن يكونوا مع مراده الديني منهم، لا مع مراد أنفسهم، فأهل طاعته آثروا الله ومراده على مرادهم، فاستحقوا كرامته، وأهل معصيته آثروا مرادهم على مراده، وعلم سبحانه منهم أنهم لا يؤثرون مراده البتة، وإنما يؤثرون أهواءهم ومرادهم، فأمرهم ونهاهم، فظهر بأمره ونهيه من القدر الذي قدر عليهم من إيثارهم هوى أنفسهم ومرادهم على مرضاة ربهم ومراده، فقامت عليهم بالمعصية حجة عدله، فعاقبهم بظلمهم.

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية