مدارج السالكين — ج 1
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص274
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
جبروتا وحجبا عن رؤيته عيوب نفسه وعمله، وكثرت حسناته في عينه، فهو أبغض الخلق إلى الله تعالى، وأبعدهم عن العبودية، وأقربهم إلى الهلاك، لا من استكثر من الباقيات الصالحات، ومن مثل ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم من سأله مرافقته في الجنة، فقال: «أعني على نفسك بكثرة السجود» ومن قوله تعالى {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون} [الذاريات: 17] قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد» وقال لمن سأله أن يوصيه بشيء يتشبث به: «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله» .
والدين كله استكثار من الطاعات، وأحب خلق الله إليه أعظمهم استكثارا منها.
وفي الحديث الصحيح الإلهي «ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه.»
فهذا جزاؤه وكرامته للمستكثرين من طاعته، لا لأهل الفناء المستغرقين في شهود الربوبية.
وقال صلى الله عليه وسلم لآخر: «عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها
#
