شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 1

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص115

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

وجاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وهو أن الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب والعقاب، مقتضية لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، وأن الأعمال الصالحة من توفيق الله وفضله ومنه، وصدقته على عبده، إن أعانه عليها ووفقه لها، وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها، وحببها إليه، وزينها في قلبه وكره إليه أضدادها، ومع هذا فليست ثمنا لجزائه وثوابه، ولا هي على قدره، بل غايتها إذا بذل العبد فيها نصحه وجهده، وأوقعها على أكمل الوجوه أن تقع شكرا له على بعض نعمه عليه، فلو طالبه بحقه لبقي عليه من الشكر على تلك النعمة بقية لم يقم بشكرها، فلذلك لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا نفى النبي صلى الله عليه وسلم دخول الجنة بالعمل، كما قال «لن يدخل أحدا منكم الجنة عمله» وفي لفظ: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله،» وفي لفظ: «لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» وأثبت سبحانه دخول الجنة بالعمل، كما في قوله {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} [النحل: 32] ولا تنافي بينهما، إذ توارد النفي والإثبات ليس على معنى واحد، فالمنفي استحقاقها بمجرد الأعمال، وكون الأعمال ثمنا وعوضا لها، ردا على القدرية المجوسية، التي زعمت أن التفضل بالثواب ابتداء متضمن لتكرير المنة.

وهذه الطائفة من أجهل الخلق بالله، وأغلظهم عنه حجابا، وحق لهم أن يكونوا مجوس هذه الأمة، ويكفي في جهلهم بالله أنهم لم يعلموا أن أهل سماواته وأرضه في منته، وأن من تمام الفرح والسرور، والغبطة واللذة اغتباطهم بمنة سيدهم ومولاهم الحق، وأنهم إنما طاب لهم عيشهم بهذه المنة، وأعظمهم منه منزلة، وأقربهم إليه أعرفهم بهذه المنة، وأعظمهم إقرارا بها، وذكرا لها، وشكرا عليها، ومحبة له لأجلها، فهل يتقلب أحد قط إلا في منته؟ {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} [الحجرات: 17] .

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية