شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 2

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج2 ص123

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

العلم والحول والقوة، وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون. ثم سأل ربه أن يقضي له ذلك الأمر إن كان فيه مصلحته، عاجلا أو آجلا، وأن يصرفه عنه إن كان فيه مضرته، عاجلا أو آجلا. فهذا هو حاجته التي سألها. فلم يبق عليه إلا الرضا بما يقضيه له. فقال: «واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به» .

فقد اشتمل هذا الدعاء على هذه المعارف الإلهية، والحقائق الإيمانية، التي من جملتها التوكل والتفويض، قبل وقوع المقدور، والرضا بعده. وهو ثمرة التوكل. والتفويض علامة صحته، فإن لم يرض بما قضي له، فتفويضه معلول فاسد.

فباستكمال هذه الدرجات الثماني يستكمل العبد مقام التوكل، وتثبت قدمه فيه. وهذا معنى قول بشر الحافي: يقول أحدهم: توكلت على الله. يكذب على الله. لو توكل على الله لرضي بما يفعله الله به.

وقول يحيى بن معاذ وقد سئل: متى يكون الرجل متوكلا؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلا.

[فصل اشتباه المحمود الكامل بالمذموم الناقص]

فصل

وكثيرا ما يشتبه في هذا الباب المحمود الكامل بالمذموم الناقص. فيشتبه التفويض بالإضاعة. فيضيع العبد حظه. ظنا منه أن ذلك تفويض وتوكل. وإنما هو تضييع لا تفويض. فالتضييع في حق الله. والتفويض في حقك.

ومنه اشتباه التوكل بالراحة، وإلقاء حمل الكل. فيظن صاحبه أنه متوكل. وإنما هو عامل على عدم الراحة.

وعلامة ذلك أن المتوكل مجتهد في الأسباب المأمور بها غاية الاجتهاد، مستريح من غيرها لتعبه بها. والعامل على الراحة آخذ من الأمر مقدار ما تندفع به الضرورة، وتسقط به عنه مطالبة الشرع. فهذا لون، وهذا لون.

ومنه اشتباه خلع الأسباب بتعطيلها. فخلعها توحيد، وتعطيلها إلحاد وزندقة. فخلعها عدم اعتماد القلب عليها، ووثوقه وركونه إليها مع قيامه بها. وتعطيلها إلغاؤها عن الجوارح.

ومنه: اشتباه الثقة بالله بالغرور والعجز، والفرق بينهما: أن الواثق بالله قد فعل ما أمره الله به، ووثق بالله في طلوع ثمرته، وتنميتها وتزكيتها، كغارس الشجرة، وباذر

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية