مدارج السالكين — ج 2
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج2 ص143
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
المهجة التي تكون بها الحياة، وهي في وسطه. فلو كان التفويض قلبا لكانت الثقة سويداءه. ولو كان عينا لكانت سوادها. ولو كان دائرة لكانت نقطتها.
وقد تقدم أن كثيرا من الناس يفسر التوكل بالثقة. ويجعله حقيقتها. ومنهم من يفسره بالتفويض. ومنهم من يفسره بالتسليم.
فعلمت أن مقام التوكل يجمع ذلك كله.
فكأن الثقة عند الشيخ هي روح، والتوكل كالبدن الحامل لها، ونسبتها إلى التوكل كنسبة الإحسان إلى الإيمان. والله أعلم.
[فصل درجات الثقة بالله تعالى]
[الدرجة الأولى درجة الإياس]
فصل
قال: وهي على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: درجة الإياس. وهو إياس العبد عن مقاومات الأحكام. ليقعد عن منازعة الأقسام، ليتخلص من قحة الإقدام.
يعني أن الواثق بالله لاعتقاده: أن الله تعالى إذا حكم بحكم وقضى أمرا. فلا مرد لقضائه. ولا معقب لحكمه. فمن حكم الله له بحكم، وقسم له بنصيب من الرزق، أو الطاعة أو الحال، أو العلم أو غيره: فلا بد من حصوله له. ومن لم يقسم له ذلك: فلا سبيل له إليه البتة. كما لا سبيل له إلى الطيران إلى السماء، وحمل الجبال - فبهذا القدر يقعد عن منازعة الأقسام. فما كان له منها فسوف يأتيه على ضعفه، وما لم يكن له منها فلن يناله بقوته.
والفرق بين قوله: مقاومة الأحكام ومنازعة الأقسام، أن مقاومة الأحكام: أن تتعلق إرادته بعين ما في حكم الله وقضائه. فإذا تعلقت إرادته بذلك جاذب الخلق الأقسام ونازعهم فيها.
وقوله: يتخلص من قحة الإقدام؛ أي يتخلص بالثقة بالله من هذه القحة والجرأة على إقدامه على ما لم يحكم له به ولا قسم له. والله سبحانه أعلم.
[فصل الدرجة الثانية درجة الأمن]
فصل
#
