مدارج السالكين — ج 2
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج2 ص160
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
السماحة. وترك ما نهيت عنه، والبعد منه. فالحامل عليه: الصبر.
وقد أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه بالصبر الجميل، والصفح الجميل، والهجر الجميل. فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه. والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه. والهجر الجميل هو الذي لا أذى معه.
وفي أثر إسرائيلي: أوحى الله إلى نبي من أنبيائه: أنزلت بعبدي بلائي، فدعاني. فماطلته بالإجابة، فشكاني. فقلت: عبدي، كيف أرحمك من شيء به أرحمك؟ .
وقال ابن عيينة في قوله تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} [السجدة: 24] قال: أخذوا برأس الأمر فجعلهم رؤساء.
وقيل: صبر العابدين أحسنه: أن يكون محفوظا، وصبر المحبين أحسنه: أن يكون مرفوضا. كما قيل:
تبين يوم البين أن اعتزامه ... على الصبر من إحدى الظنون الكواذب
والشكوى إلى الله عز وجل لا تنافي الصبر. فإن يعقوب - عليه السلام - وعد بالصبر الجميل. والنبي إذا وعد لا يخلف. ثم قال: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} [يوسف: 86] وكذلك أيوب أخبر الله عنه أنه وجده صابرا مع قوله: {مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} [الأنبياء: 83] .
وإنما ينافي الصبر شكوى الله، لا الشكوى إلى الله. كما رأى بعضهم رجلا يشكو إلى آخر فاقة وضرورة. فقال: يا هذا، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ ثم أنشد:
وإذا عرتك بلية فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أعلم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم.
[فصل الصبر أصعب المنازل على العامة]
فصل
قال صاحب " المنازل ":
الصبر: حبس النفس على المكروه. وعقل اللسان عن الشكوى. وهو من
#
