شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 2

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج2 ص171

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

وقال: «من قال حين يسمع النداء: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، غفرت له ذنوبه» .

وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين، وإليهما ينتهي. وقد تضمنا الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته. والرضا برسوله، والانقياد له. والرضا بدينه، والتسليم له، ومن اجتمعت له هذه الأربعة: فهو الصديق حقا. وهي سهلة بالدعوى واللسان. وهي من أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان. ولا سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها. من ذلك تبين أن الرضا كان لسانه به ناطقا. فهو على لسانه لا على حاله.

فالرضا بإلهيته يتضمن الرضا بمحبته وحده، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتبتل إليه، وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه. فعل الراضي بمحبوبه كل الرضا. وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له.

والرضا بربوبيته: يتضمن الرضا بتدبيره لعبده. ويتضمن إفراده بالتوكل عليه. والاستعانة به، والثقة به، والاعتماد عليه. وأن يكون راضيا بكل ما يفعل به.

فالأول: يتضمن رضاه بما يؤمر به. والثاني: يتضمن رضاه بما يقدر عليه.

وأما الرضا بنبيه رسولا: فيتضمن كمال الانقياد له. والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه. فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته. ولا يحاكم إلا إليه. ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره ألبتة. لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله. ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته. ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه. لا يرضى في ذلك بحكم غيره. ولا يرضى إلا بحكمه. فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة والدم. وأحسن أحواله: أن يكون من باب التراب الذي إنما يتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور.

وأما الرضا بدينه: فإذا قال، أو حكم، أو أمر، أو نهى: رضي كل الرضا. ولم يبق في قلبه حرج من حكمه. وسلم له تسليما. ولو كان مخالفا لمراد نفسه أو هواها، أو قول مقلده وشيخه وطائفته.

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية