شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 2

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج2 ص177

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

عند الموت. والكلمة الثانية - وهي {فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} [الفجر: 29] تقال لها يوم القيامة. قال أبو صالح {ارجعي إلى ربك راضية مرضية} [الفجر: 28] هذا عند خروجها من الدنيا. فإذا كان يوم القيامة قيل لها {فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} [الفجر: 29]

والصواب: أن هذا القول يقال لها عند الخروج من الدنيا، ويوم القيامة. فإن أول بعثها عند مفارقتها الدنيا، وحينئذ فهي في الرفيق الأعلى، إن كانت مطمئنة إلى الله، وفي جنته. كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة. فإذا كان يوم القيامة قيل لها ذلك. وحينئذ فيكون تمام الرجوع إلى الله ودخول الجنة.

فأول ذلك عند الموت. وتمامه ونهايته يوم القيامة، فلا اختلاف في الحقيقة.

ولكن الشيخ أخذ من إشارة الآية: أن رجوعها إلى الله من الخلق في هذا العالم إنما يحصل برضاها. ولكن لو استدل بالآية في مقام الطمأنينة لكان أولى، فإن هذا الرجوع الذي حصل لها فيه رضاها والرضا عنها: إنما نالته بالطمأنينة. وهو حظ الكسب من هذه الآية، وموضع التنبيه على موقع الطمأنينة، وما يحصل لصاحبها. فلنرجع إلى شرح كلامه.

قوله: الرضا هو الوقوف الصادق. يريد به الوقوف مع مراد الرب تبارك وتعالى الديني حقيقة، من غير تردد في ذلك ولا معارضة. وهذا مطلوب القوم السابقين. وهو الوقوف الصادق مع محاب الرب تعالى، من غير أن يشوب ذلك تردد، ولا يزاحمه مراد.

قوله: حيثما وقف العبد. يصح أن يكون العبد فاعلا. أي حيث ما وقف بإذن ربه لا يلتمس تقدما ولا تأخرا. ويصح أن يكون مفعولا، وهو أظهر. أي حيثما وقف الله العبد - فإن وقف يستعمل لازما ومتعديا - أي حيثما وقفه ربه. لا يطلب تقدما ولا تأخرا. وهذا إنما يكون فيما يقفه فيه من مراده الكوني الذي لا يتعلق بالأمر والنهي. وأما إذا وقفه في مراد ديني، فكماله بطلب التقدم فيه دائما. فإنه إن لم تكن همته التقدم إلى الله في كل لحظة: رجع من حيث لا يدري. فلا وقوف في الطريق ألبتة، ولكن إذا وقف في مقام - من الغنى والفقر، والراحة والتعب، والعافية والسقم، والاستيطان ومفارقة الأوطان - يقف حيث وقفه. لا يطلب غير تلك الحالة التي أقامه الله فيها. وهذا لتصحيح رضاه باختيار الله له، والفناء به عن اختياره لنفسه.

وكذلك قوله: لا يستزيد مزيدا، ولا يستبدل حالا.

هذا المعنى الذي ذكره الشيخ فرد من أفراد الرضا، وهو الرضا بالأقسام والأحكام الكونية التي لم يؤمر بمدافعتها.

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية