شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 2

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج2 ص182

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

وأيضا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم علق ذوق طعم الإيمان بمن رضي بالله ربا. ولم يعلقه بمن رضي عنه، كما قال صلى الله عليه وسلم «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا.» . فجعل الرضا به قرين الرضا بدينه ونبيه. وهذه الثلاثة هي أصول الإسلام، التي لا يقوم إلا بها وعليها.

وأيضا: فالرضا به ربا يتضمن توحيده وعبادته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وخوفه ورجاءه ومحبته، والصبر له وبه. والشكر على نعمه: يتضمن رؤية كل ما منه نعمة وإحسانا، وإن ساء عبده. فالرضا به يتضمن شهادة أن لا إله إلا الله والرضا بمحمد رسولا يتضمن شهادة أن محمدا رسول الله والرضا بالإسلام دينا: يتضمن التزام عبوديته، وطاعته وطاعة رسوله. فجمعت هذه الثلاثة الدين كله.

وأيضا: فالرضا به ربا يتضمن اتخاذه معبودا دون ما سواه. واتخاذه وليا ومعبودا، وإبطال عبادة كل ما سواه. وقد قال تعالى لرسوله {أفغير الله أبتغي حكما} [الأنعام: 114] وقال {أغير الله أتخذ وليا} [الأنعام: 14] وقال {قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء} [الأنعام: 164] . فهذا هو عين الرضا به ربا.

وأيضا: فإنه جعل حقيقة الرضا به ربا: أن يسخط عبادة ما دونه. فمتى سخط العبد عبادة ما سوى الله من الآلهة الباطلة، حبا وخوفا، ورجاء وتعظيما، وإجلالا - فقد تحقق بالرضا به ربا، الذي هو قطب رحى الإسلام.

وإنما كان قطب رحى الدين لأن جميع العقائد والأعمال، والأحوال: إنما تنبني على توحيد الله عز وجل في العبادة، وسخط عبادة ما سواه. فمن لم يكن له هذا القطب لم يكن له رحى تدور عليه. ومن حصل له هذا القطب ثبتت له الرحى. ودارت على ذلك القطب. فيخرج حينئذ من دائرة الشرك إلى دائرة الإسلام. فتدور رحى إسلامه وإيمانه على قطبها الثابت اللازم.

وأيضا: فإنه جعل حصول هذه الدرجة من الرضا موقوفا على كون المرضي به ربا - سبحانه - أحب إلى العبد من كل شيء، وأولى الأشياء بالتعظيم، وأحق الأشياء بالطاعة، ومعلوم أن هذا يجمع قواعد العبودية، وينظم فروعها وشعبها.

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية