مدارج السالكين — ج 2
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج2 ص30
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
والإيمان بالقدر يثمر التوكل. ودوام تأمل الأسماء والصفات يثمر المعرفة. والورع يثمر الزهد أيضا. والتوبة تثمر المحبة أيضا، ودوام الذكر يثمرها. والرضا يثمر الشكر. والعزيمة والصبر يثمران جميع الأحوال والمقامات. والإخلاص والصدق كل منهما يثمر الآخر ويقتضيه. والمعرفة تثمر الخلق. والفكر يثمر العزيمة. والمراقبة تثمر عمارة الوقت، وحفظ الأيام والحياء، والخشية والإنابة. وإماتة النفس وإذلالها وكسرها يوجب حياة القلب وعزه وجبره. ومعرفة النفس ومقتها يوجب الحياء من الله عز وجل، واستكثار ما منه، واستقلال ما منك من الطاعات. ومحو أثر الدعوى من القلب واللسان وصحة البصيرة تثمر اليقين. وحسن التأمل لما ترى وتسمع من الآيات المشهودة والمتلوة يثمر صحة البصيرة.
وملاك ذلك كله: أمران: أحدهما: أن تنقل قلبك من وطن الدنيا فتسكنه في وطن الآخرة، ثم تقبل به كله على معاني القرآن واستجلائها وتدبرها، وفهم ما يراد منه وما نزل لأجله، وأخذ نصيبك وحظك من كل آية من آياته، وتنزلها على داء قلبك.
فهذه طريق مختصرة قريبة سهلة. موصلة إلى الرفيق الأعلى. آمنة لا يلحق سالكها خوف ولا عطب، ولا جوع ولا عطش، ولا فيها آفة من آفات سائر الطريق البتة. وعليها من الله حارس وحافظ يكلأ السالكين فيها ويحميهم، ويدفع عنهم. ولا يعرف قدر هذه الطريق إلا من عرف طرق الناس وغوائلها وآفاتها وقطاعها. والله المستعان.
[فصل منزلة التبتل]
[حقيقة التبتل]
فصل منزلة التبتل
ومن منازل " {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] " منزلة التبتل.
قال الله تعالى: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل: 8] .
والتبتل الانقطاع. وهو تفعل من البتل وهو القطع. وسميت مريم عليها السلام البتول لانقطاعها عن الأزواج، وعن أن يكون لها نظراء من نساء زمانها. ففاقت نساء الزمان شرفا وفضلا. وقطعت منهن. ومصدر بتل تبتلا كالتعلم والتفهم، ولكن جاء على التفعيل - مصدر تفعل - لسر لطيف. فإن في هذا الفعل إيذانا بالتدريج والتكلف والتعمل والتكثر والمبالغة. فأتى بالفعل الدال على أحدهما، وبالمصدر
#
