مدارج السالكين — ج 2
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج2 ص51
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
ومنها أن الرجاء حاد يحدو به في سيره إلى الله. ويطيب له المسير. ويحثه عليه. ويبعثه على ملازمته. فلولا الرجاء لما سار أحد. فإن الخوف وحده لا يحرك العبد. وإنما يحركه الحب. ويزعجه الخوف. ويحدوه الرجاء.
ومنها أن الرجاء يطرحه على عتبة المحبة، ويلقيه في دهليزها. فإنه كلما اشتد رجاؤه وحصل له ما يرجوه ازداد حبا لله تعالى، وشكرا له، ورضا به وعنه.
ومنها أنه يبعثه على أعلى المقامات. وهو مقام الشكر، الذي هو خلاصة العبودية. فإنه إذا حصل له مرجوه كان أدعى لشكره.
ومنها أنه يوجب له المزيد من معرفة الله وأسمائه ومعانيها، والتعلق بها. فإن الراجي متعلق بأسمائه الحسنى، متعبد بها، داع بها. قال الله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} [الأعراف: 180] فلا ينبغي أن يعطل دعاؤه بأسمائه الحسنى التي هي أعظم ما يدعو بها الداعي. فالقدح في مقام الرجاء تعطيل لعبودية هذه الأسماء، وتعطيل للدعاء بها.
ومنها: أن المحبة لا تنفك عن الرجاء - كما تقدم - فكل واحد منهما يمد الآخر ويقويه.
ومنها: أن الخوف مستلزم للرجاء. والرجاء مستلزم للخوف. فكل راج خائف. وكل خائف راج. ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف. قال الله تعالى: {ما لكم لا ترجون لله وقارا} [نوح: 13] قال كثير من المفسرين: المعنى ما لكم لا تخافون لله عظمة؟ قالوا: والرجاء بمعنى الخوف.
والتحقيق أنه ملازم له. فكل راج خائف من فوات مرجوه. والخوف بلا رجاء يأس وقنوط. وقال تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} [الجاثية: 14] قالوا في تفسيرها: لا يخافون وقائع الله بهم، كوقائعه بمن قبلهم من الأمم.
ومنها: أن العبد إذا تعلق قلبه برجاء ربه، فأعطاه ما رجاه، كان ذلك ألطف موقعا، وأحلى عند العبد. وأبلغ من حصول ما لم يرجه. وهذا أحد الأسباب والحكم
#
