شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 2

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج2 ص79

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

المؤمنين على مطلب معلول ناقص، ويدع المطلب العالي البريء من شوائب العلل لا يحرضهم عليه؟

قالوا: وأيضا فالله سبحانه يحب من عباده أن يسألوه جنته، ويستعيذوا به من ناره، فإنه يحب أن يسأل. ومن لم يسأله يغضب عليه. وأعظم ما سئل الجنة وأعظم ما استعيذ به من النار.

فالعمل لطلب الجنة محبوب للرب، مرضي له. وطلبها عبودية للرب. والقيام بعبوديته كلها أولى من تعطيل بعضها.

قالوا: وإذا خلا القلب من ملاحظة الجنة والنار، ورجاء هذه والهرب من هذه فترت عزائمه، وضعفت همته، ووهى باعثه، وكلما كان أشد طلبا للجنة، وعملا لها كان الباعث له أقوى، والهمة أشد، والسعي أتم. وهذا أمر معلوم بالذوق.

وقالوا: ولو لم يكن هذا مطلوبا للشارع لما وصف الجنة للعباد، وزينها لهم، وعرضها عليهم. وأخبرهم عن تفاصيل ما تصل إليه عقولهم منها، وما عداه أخبرهم به مجملا. كل هذا تشويقا لهم إليها، وحثا لهم على السعي لها سعيها.

قالوا: وقد قال الله عز وجل: {والله يدعو إلى دار السلام} [يونس: 25] . وهذا حث على إجابة هذه الدعوة، والمبادرة إليها، والمسارعة في الإجابة.

والتحقيق أن يقال: الجنة ليست اسما لمجرد الأشجار والفواكه، والطعام والشراب، والحور العين، والأنهار والقصور. وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنة. فإن الجنة اسم لدار النعيم المطلق الكامل. ومن أعظم نعيم الجنة التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، وقرة العين بالقرب منه وبرضوانه. فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور، إلى هذه اللذة أبدا. فأيسر يسير من رضوانه أكبر من الجنان وما فيها من ذلك. كما قال تعالى: {ورضوان من الله أكبر} [التوبة: 72] . وأتى به منكرا في سياق الإثبات؛ أي: أي شيء كان من رضاه عن عبده: فهو أكبر من الجنة.

قليل منك يقنعني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل

وفي الحديث الصحيح - حديث الرؤية - «فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية