شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 3

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص108

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

وبالجملة: فمن أحيل على نفسه، فقد مكر به.

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد - مولى بني هاشم - حدثنا الصلت بن طريف المعولي حدثنا غيلان بن جرير عن مطرف قال: وجدت هذا الإنسان ملقى بين الله عز وجل وبين الشيطان. فإن يعلم الله تعالى في قلبه خيرا: جبذه إليه. وإن لم يعلم فيه خيرا: وكله إلى نفسه. ومن وكله إلى نفسه فقد هلك.

وقال جعفر بن سليمان: حدثنا ثابت عن مطرف قال: لو أخرج قلبي فجعل في يدي هذه في اليسار. وجيء بالخير فجعل في هذه اليمنى. ثم قربت من الأخرى ما استطعت أن أولج في قلبي شيئا حتى يكون الله عز وجل يضعه.

ومما يدل على أن الفرح من أسباب المكر، ما لم يقارنه خوف: قوله تعالى {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} [الأنعام: 44] .

وقال قوم قارون له {لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} [القصص: 76] فالفرح متى كان بالله، وبما من الله به، مقارنا للخوف والحذر: لم يضر صاحبه، ومتى خلا عن ذلك: ضره ولا بد.

قوله: ويبعث على الشكر إلا ما قام به الحق عز وجل من حق الصفة.

هذا الكلام يحتمل معنيين.

أحدهما: أن يريد أن هذه الملاحظة تبعثه على الشكر لله في السراء والضراء في كل حين، إلا ما عجزت قدرته عن شكره. فإن الحق سبحانه هو الذي يقوم به لنفسه بحق كماله المقدس، وكمال صفاته ونعوته. فتلك الملاحظة تبسط للعبد الشكر الذي يعجز عنه، ولا يقدر أن يقوم به.

فإن شكر العبد لربه: نعمة من الله أنعم بها عليه. فهي تستدعي شكرا آخر عليها. وذلك الشكر نعمة أيضا. فيستدعي شكرا ثالثا. وهلم جرا. فلا سبيل إلى القيام بشكر الرب على الحقيقة.

ولا يشكره على الحقيقة سواه. فإنه هو المنعم بالنعمة وبشكرها. فهو الشكور لنفسه، وإن سمى عبده شكورا. فمدحة الشكر في الحقيقة: راجعة إليه، وموقوفة عليه. فهو الشاكر لنفسه بما أنعم على عبده. فما شكره في الحقيقة سواه، مع كون العبد عبدا والرب ربا. فهذا أحد المعنيين في كلامه.

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية