شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 3

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص130

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

ويتصرف حاله في علمه. فلا يدعه أن يقف معه. بل يدعوه إلى غاية العلم. فيجيبه ويلبي دعوته. فهذه حال الكمل من هذه الأمة. ومن استقرأ أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدها كذلك.

فلما فرق المتأخرون بين الحال والعلم: دخل عليهم النقص والخلل. والله المستعان {يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور - أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير} [الشورى: 49 - 50] فكذلك يهب لمن يشاء علما. ولمن يشاء حالا. ويجمع بينهما لمن يشاء. ويخلي منهما من يشاء.

قوله " فالعلم يشغله في حين " أي يشغله عن السلوك إلى تمكن الحال. لأن العلم متنوع التعلقات فهو يفرق. والحال يجمع. لأنه يدعوه إلى الفناء. وهناك سلطان الحال.

قوله " والحال يحمله في حين " أي يغلب عليه الحال تارة. فيصير محمولا بقوة الحال وسلطانه على السلوك. فيشتد بحكم الحال، يعني: وإذا غلبه العلم شغله عن السلوك. وهذا هو المعهود من طريقة المتأخرين: أن العلم عندهم يشغل عن السلوك. ولهذا يعدون السالك من سلك على الحال ملتفتا عن العلم.

وأما على ما قررناه - من أن العلم يعين على السلوك، ويحمل عليه، ويكون صاحبه سالكا به وفيه - فلا يشغله العلم عن سلوكه. وإن أضعف سيره على درب الفناء. فلا ريب أن العلم لا يجامع الفناء. فالفناء ليس هو غاية السالكين إلى الله. بل ولا هو لازم من لوازم الطريق، وإن كان عارضا من عوارضها. يعرض لغير الكمل، كما تقدم تقرير ذلك.

فبينا أن الفناء الكامل، الذي هو الغاية المطلوبة: هو الفناء عن محبة ما سوى الله وإرادته. فيفنى بمحبة الله عن محبة ما سواه. وبإرادته ورجائه، والخوف منه، والتوكل عليه، والإنابة إليه: عن إرادة ما سواه وخوفه ورجائه والتوكل عليه.

وهذا الفناء لا ينافي العلم بحال. ولا يحول بين العبد وبينه. بل قد يكون في أغلب الأحوال من أعظم أعوانه. وهذا أمر غفل عنه أكثر المتأخرين، بحيث لم يعرفوه ولم يسلكوه. ولكن لم يخل الله الأرض من قائم به، داع إليه.

قوله " فبلاؤه بينهما " أي عذابه وألمه: بين داعي الحال وداعي العلم. فإيمانه

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية