شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 3

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص17

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

وهذا أيضا من حقوقها وثمراتها. وموجباتها.

الرابع والعشرون: سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه. ثم السكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف، وأنشد:

فأسكر القوم دور الكأس بينهم ... لكن سكري نشا من رؤية الساقي.

وينبغي صون المحبة والحبيب عن هذه الألفاظ، التي غاية صاحبها: أن يعذر بصدقه وغلبة الوارد عليه، وقهره له. فمحبة الله أعلى وأجل من أن تضرب لها هذه الأمثال، وتجعل عرضة للأفواه المتلوثة، والألفاظ المبتدعة، ولكن الصادق في خفارة صدقه.

الخامس والعشرون: أن لا يؤثر على المحبوب غيره، وأن لا يتولى أمورك غيره.

السادس والعشرون: الدخول تحت رق المحبوب وعبوديته، والحرية من استرقاق ما سواه.

السابع والعشرون: المحبة سفر القلب في طلب المحبوب، ولهج اللسان بذكره على الدوام.

قلت: أما سفر القلب في طلب المحبوب: فهو الشوق إلى لقائه، وأما لهج اللسان بذكره: فلا ريب أن من أحب شيئا أكثر من ذكره.

الثامن والعشرون: أن المحبة هي ما لا ينقص بالجفاء. ولا تزيد بالبر. وهو ليحيى بن معاذ، بل الإرادة والطلب والشوق إلى المحبوب لذاته، فلا ينقص ذلك جفاؤه. ولا يزيده بره.

وفي ذلك ما فيه. فإن المحبة الذاتية تزيد بالبر. ولا تنقصها زيادتها بالبر. وليس ذلك بعلة، ولكن مراد يحيى: أن القلب قد امتلأ بالمحبة الذاتية. فإذا جاء البر من محبوبه. لم يجد في القلب مكانا خاليا من حبه يشغله محبة البر. بل تلك المحبة قد استحقت عليه بالذات بلا سبب. ومع هذا فلا يزيل الوهم. فإن المحبة لا نهاية لها. وكلما قويت المعرفة والبر قويت المحبة. ولا نهاية لجمال المحبوب ولا بره. فلا نهاية لمحبته، بل لو اجتمعت محبة الخلق كلهم وكانت على قلب رجل واحد منهم: كان ذلك دون ما يستحقه الرب جل جلاله. ولهذا لا تسمى محبة العبد لربه عشقا - كما سيأتي - لأنه إفراط المحبة، والعبد لا يصل في محبة الله إلى حد الإفراط، ألبتة. والله أعلم.

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية