مدارج السالكين — ج 3
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص140
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
كان نصحه فيه، وإخلاصه وتحسينه، وبذل الجهد فيه أتم ممن لم يشاهده ولم يلاحظه. ولم يجد من مس التعب والنصب ما يجده الغائب، والوجود شاهد بذلك. فمن عمل عملا لملك بحضرته، وهو يشاهده: ليس حاله كحال من عمل في غيبته وبعده عنه، وهو غير متيقن وصوله إليه.
وقوله " ويصحح همة القاصد " أي ويصحح له صفاء هذا العلم همته، ومتى صحت الهمة علت وارتفعت. فإن سقوطها ودناءتها من علتها وسقمها، وإلا فهي كالنار تطلب الصعود والارتفاع ما لم تمنع.
وأعلى الهمم: همة اتصلت بالحق سبحانه طلبا وقصدا. وأوصلت الخلق إليه دعوة ونصحا. وهذه همة الرسل وأتباعهم. وصحتها: بتمييزها من انقسام طلبها وانقسام مطلوبها وانقسام طريقها. بل توحد مطلوبها بالإخلاص، وطلبها بالصدق، وطريقها بالسلوك خلف الدليل الذي نصبه الله دليلا. لا من نصبه هو دليلا لنفسه.
ولله الهمم! ما أعجب شأنها، وأشد تفاوتها. فهمة متعلقة بمن فوق العرش. وهمة حائمة حول الأنتان والحش. والعامة تقول: قيمة كل امرئ ما يحسنه. والخاصة تقول: قيمة المرء ما يطلبه. وخاصة الخاصة تقول: همة المرء إلى مطلوبه.
وإذا أردت أن تعرف مراتب الهمم، فانظر إلى همة «ربيعة بن كعب الأسلمي - رضي الله عنه - وقد قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلني - فقال: أسألك مرافقتك في الجنة» . وكان غيره يسأله ما يملأ بطنه، أو يواري جلده.
وانظر إلى همة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض - فأباها. ومعلوم أنه لو أخذها لأنفقها في طاعة ربه تعالى. فأبت له تلك الهمة العالية: أن يتعلق منها بشيء مما سوى الله ومحابه. وعرض عليه أن يتصرف بالملك، فأباه. واختار التصرف بالعبودية المحضة. فلا إله إلا الله، خالق هذه الهمة، وخالق نفس تحملها، وخالق همم لا تعدو همم أخس الحيوانات.
#
