مدارج السالكين — ج 3
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص143
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
الله وسلامه عليه - لما أسري به ورأى ما رأى: لم يصعق ولم يخر، بل ثبت فؤاده وبصره.
ومراد القوم بالاتصال والوصول: اتصال العبد بربه، ووصوله إليه. لا بمعنى اتصال ذات العبد بذات الرب، كما تتصل الذاتان إحداهما بالأخرى. ولا بمعنى انضمام إحدى الذاتين إلى الأخرى والتصاقها بها. وإنما مرادهم بالاتصال والوصول: إزالة النفس والخلق من طريق السير إلى الله. ولا تتوهم سوى ذلك. فإنه عين المحال.
فإن السالك لا يزال سائرا إلى الله تعالى حتى يموت. فلا ينقطع سيره إلا بالموت. فليس في هذه الحياة وصول يفرغ معه السر وينتهي. وليس ثم اتصال حسي بين ذات العبد وذات الرب. فالأول: تعطيل وإلحاد. والثاني: حلول واتحاد. وإنما حقيقة الأمر: تنحية النفس والخلق عن الطريق. فإن الوقوف معهما: هو الانقطاع. وتنحيتهما هو الاتصال.
وأما الملاحدة القائلون بوحدة الوجود، فإنهم قالوا: العبد من أفعال الله، وأفعاله من صفاته. وصفاته من ذاته. فأنتج لهم هذا التركيب: أن العبد من ذات الرب. تعالى الله وتقدس عما يقولون علوا كبيرا.
وموضع الغلط: أن العبد من مفعولات الرب تعالى، لا من أفعاله القائمة بذاته. ومفعولاته آثار أفعاله. وأفعاله من صفاته القائمة بذاته، فذاته سبحانه مستلزمة لصفاته وأفعاله. ومفعولاته منفصلة عنه، تلك مخلوقة محدثة. والرب تعالى هو الخالق بذاته وصفاته وأفعاله.
فإياك ثم إياك والألفاظ المجملة المشتبهة التي وقع اصطلاح القوم عليها. فإنها أصل البلاء. وهي مورد الصديق والزنديق. فإذا سمع الضعيف المعرفة والعلم بالله تعالى لفظ " اتصال وانفصال، ومسامرة، ومكالمة، وأنه لا وجود في الحقيقة إلا وجود الله، وأن وجود الكائنات خيال ووهم، وهو بمنزلة وجود الظل القائم بغيره " فاسمع منه ما يملأ الآذان من حلول واتحاد وشطحات.
والعارفون من القوم أطلقوا هذه الألفاظ ونحوها، وأرادوا بها معاني صحيحة في أنفسها. فغلط الغالطون في فهم ما أرادوه. ونسبوهم إلى إلحادهم وكفرهم. واتخذوا كلماتهم المتشابهة ترسا له وجنة، حتى قال قائلهم:
#
