شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 3

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص145

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

فهذا المعنى الصحيح من اندراج حظ العبودية في حق الربوبية.

وله محمل آخر صحيح أيضا، وهو أن ذات العبد وصفاته وأفعاله وقواه وحركاته: كلها مفعولة للرب، مملوكة له، ليس يملك العبد منها شيئا. بل هو محض ملك الله. فهو المالك لها، المنعم على عبده بإعطائه إياها. فالمال ماله. والعبد عبده. والخدمة مستحقة عليه بحق الربوبية. وهي من فضل الله عليه. فالفضل كله لله، ومن الله، وبالله.

قوله " ويعرف نهايات الخبر في بدايات العيان " الخبر: متعلق الغيب. والعيان متعلق الشهادة. وهو إدراك عين البصيرة لصحة الخبر، وثبوت مخبره.

ومراده ب " بدايات العيان " أوائل الكشف الحقيقي الذي يدخل منه إلى مقام الفناء. ومقصوده: أن يرى الشاهد ما أخبر به الصادق بقلبه عيانا. قال الله تعالى {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} [سبأ: 6] وقال تعالى {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} [الرعد: 19] فقد قال: أفمن رأى بعين قلبه أن ما أنزل الله إلى رسوله هو الحق كمن هو أعمى لا يبصر ذلك؟ وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في مقام الإحسان «أن تعبد الله كأنك تراه» ولا ريب أن تصديق الخبر واليقين به يقوي القلب، حتى يصير الغيب بمنزلة المشاهد بالعين. فصاحب هذا المقام: كأنه يرى ربه سبحانه فوق سماواته على عرشه، مطلعا على عباده ناظرا إليهم، يسمع كلامهم. ويرى ظواهرهم وبواطنهم.

وكأنه يسمعه وهو يتكلم بالوحي. ويكلم به عبده جبريل، ويأمره وينهاه بما يريد، ويدبر أمر المملكة. وأملاكه صاعدة إليه بالأمر، نازلة من عنده به.

وكأنه يشاهده، وهو يرضى ويغضب، ويحب ويبغض، ويعطي ويمنع، ويضحك ويفرح، ويثني على أوليائه بين ملائكته، ويذم أعداءه.

وكأنه يشاهده ويشاهد يديه الكريمتين، وقد قبضت إحداهما السماوات السبع، والأخرى الأرضين السبع. وقد طوى السماوات السبع بيمينه، كما يطوى السجل على أسطر الكتاب.

وكأنه يشاهده، وقد جاء لفصل القضاء بين عباده. فأشرقت الأرض بنوره.

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية