مدارج السالكين — ج 3
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص150
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
فالفرح بالله، وبرسوله، وبالإيمان، وبالسنة، وبالعلم، وبالقرآن: من أعلى مقامات العارفين: قال الله تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} [التوبة: 124] .
وقال: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك} [الرعد: 36] .
فالفرح بالعلم والإيمان والسنة: دليل على تعظيمه عند صاحبه، ومحبته له، وإيثاره له على غيره، فإن فرح العبد بالشيء عند حصوله له: على قدر محبته له، ورغبته فيه. فمن ليس له رغبة في الشيء لا يفرحه حصوله له، ولا يحزنه فواته.
فالفرح تابع للمحبة والرغبة.
والفرق بينه وبين الاستبشار: أن الفرح بالمحبوب بعد حصوله، والاستبشار يكون به قبل حصوله إذا كان على ثقة من حصوله. ولهذا قال تعالى: {فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} [آل عمران: 170] .
والفرح صفة كمال ولهذا يوصف الرب تعالى بأعلى أنواعه وأكملها، كفرحه بتوبة التائب أعظم من فرحة الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد فقده لها، واليأس من حصولها.
والمقصود: أن الفرح أعلى أنواع نعيم القلب، ولذته وبهجته. والفرح والسرور نعيمه. والهم والحزن عذابه. والفرح بالشيء فوق الرضا به. فإن الرضا طمأنينة وسكون وانشراح. والفرح لذة وبهجة وسرور. فكل فرح راض. وليس كل راض فرحا. ولهذا كان الفرح ضد الحزن، والرضا ضد السخط. والحزن يؤلم صاحبه، والسخط لا يؤلمه، إلا إن كان مع العجز عن الانتقام. والله أعلم.
[فصل حد السرور]
فصل
قال صاحب المنازل:
السرور: اسم لاستبشار جامع. وهو أصفى من الفرح. لأن الأفراح ربما شابها الأحزان. ولذلك نزل القرآن باسمه في أفراح الدنيا في مواضع. وورد السرور
#
