مدارج السالكين — ج 3
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص153
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
والموضع الثاني: قوله: {ولقاهم نضرة وسرورا} [الإنسان: 11] .
فيقال: وورد السرور في أحوال الدنيا في موضع على وجه الذم. كقوله تعالى: {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا} [الانشقاق: 10] .
فقد رأيت ورود كل واحد من الفرح والسرور في القرآن بالنسبة إلى أحوال الدنيا وأحوال الآخرة. فلا يظهر ما ذكره من الترجيح.
بل قد يقال: الترجيح للفرح: لأن الرب تبارك وتعالى يوصف به. ويطلق عليه اسمه دون السرور، فدل على أن معناه أكمل من معنى السرور، وأمر الله به في قوله تعالى {فبذلك فليفرحوا} [يونس: 58] وأثنى على السعداء به في قوله: {فرحين بما آتاهم الله من فضله} [آل عمران: 170] .
وأما قوله تعالى {ولقاهم نضرة وسرورا} [الإنسان: 11] وقوله {وينقلب إلى أهله مسرورا} [الانشقاق: 9] فعدل إلى لفظ السرور لاتفاق رءوس الآي. ولو أنه ترجم الباب بباب الفرح، لكان أشد مطابقة للآية التي استشهد بها. والأمر في ذلك قريب. فالمقصود أمر وراء ذلك.
[درجات السرور]
[الدرجة الأولى سرور ذوق]
قال: وهو في هذا الباب: على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: سرور ذوق. ذهب بثلاثة أحزان: حزن أورثه خوف الانقطاع. وحزن هاجمته ظلمة الجهل. وحزن بعثته وحشة التفرق.
السرور ضد الحزن. والحزن لا يجامعه: كان مذهبا له. ولما كان سببه: ذوق الشيء السار. فإنه كلما كان الذوق أتم: كان السرور به أكمل.
وهذا السرور يذهب ثلاثة أحزان.
الحزن الأول: حزن أورثه خوف الانقطاع. وهذا حزن المتخلفين عن ركب المحبين، ووفد المحبة، فأهل الانقطاع هم المتخلفون عن صحبة هذا الركب وهذا
#
