شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 3

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص36

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

معنى علم ربه، وقدرته وإرادته، وسمعه وبصره، وكلامه، وغضبه ورضاه. ولولا هذه الصفات فيه لما عرفها من ربه.

وهذا أحد التأويلات في الأثر الإسرائيلي: اعرف نفسك تعرف ربك.

وهذه الصفات في الحقيقة: أثر الصفات الإلهية فيه. فإنها أثر أفعال الحق، وأفعاله موجب صفاته وأسمائه. فإذن عاد الأمر كله إلى أفعاله، وعادت أفعاله إلى صفاته.

ففي هذه المنزلة يمحو العبد شهود صفاته ووجودها الذي ليس بحقيقي. ويثبت شهود صفات المعبود ووجودها الحقيقي. فالله سبحانه منح عبده هذه الصفات ليعرفه بها. ويستدل بها عليه. فإن لم يفعلها عطل عليه طريق المعرفة والاستدلال بها. فصارت بمنزلة العدم. ولهذا يوصف الغافل عن الله بالصم والبكم والعمى والموت، وعدم العقل.

الثالث: محو الذات. وهو شهود تفرد الحق تعالى بالوجود أزلا وأبدا. وأنه الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء. ووجود كل ما سواه قائم به وأثر صنعه. فوجوده هو الوجود الواجب الحق، الثابت لنفسه أزلا وأبدا. وأنه المتفرد بذلك.

وهذا المحو يصح باعتبارين.

أحدهما: باعتبار الوجود الذاتي. ولا ريب في إثبات محوه بهذا الاعتبار. إذ ليس مع الله موجود بذاته سواه. وكل ما سواه فموجود بإيجاده سبحانه.

الاعتبار الثاني: المحو في المشهد. فلا يشهد فاعلا غير الحق سبحانه. ولا صفات غير صفاته، ولا موجود سواه، لغيبته بكمال شهوده عن شهود غيره.

وأما محو ذلك من الوجود جملة: فهو محو الزنادقة وطائفة الاتحادية. وصاحب المنازل وكل ولي لله بريء منهم حالا وعقيدة.

والمقصود: أن من عقبة المحبة ينحدر المحب على منازل المحو.

ولما كانت منازل المحو والفناء غاية عند صاحب المنازل جعل المحبة عقبة ينحدر منها إليها.

وأما من جعل المحبة غاية: فمنازل المحو عنده أودية يصعد منها إلى روح المحبة. وليس بعد المحبة الصحيحة إلا منازل البقاء. وأما الفناء والمحو: فعقبات وأودية في طريقها عند هؤلاء. والله أعلم.

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية