مدارج السالكين — ج 3
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص49
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
[فصل درجات الغيرة]
[الدرجة الأولى غيرة العابد]
فصل
قال: وهي على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: غيرة العابد على ضائع يسترد ضياعه. ويستدرك فواته، ويتدارك قواه.
العابد هو العامل - بمقتضى العلم النافع - للعمل الصالح. فغيرته على ما ضاع عليه من عمل صالح. فهو يسترد ضياعه بأمثاله. ويجبر ما فاته من الأوراد والنوافل وأنواع القرب بفعل أمثالها، من جنسها وغير جنسها. فيقضي ما ينفع فيه القضاء. ويعوض ما يقبل العوض. ويجبر ما يمكن جبره.
وقوله " ويستدرك فواته " الفرق بين استرداد ضائعه، واستدراك فائته، أن الأول: يمكن أن يسترد بعينه، كما إذا فاته الحج في عام تمكن منه. فأضاعه في ذلك العام: استدركه في العام المقبل. وكذلك إذا أخر الزكاة عن وقت وجوبها استدركها بعد تأخيرها، ونحو ذلك.
وأما الفائت: فإنما يستدرك بنظيره. كقضاء الواجب المؤقت إذا فات وقته.
أو يكون مراده باسترداد الضائع واستدراك الفائت نوعي التفريط في الأمر والنهي. فيسترد ضائع هذا بقضائه وفعل أمثاله. ويستدرك فائت هذا - أي سالفه - بالتوبة والندم.
وأما تدارك قواه فهو أن يتدارك قوته ببذلها في الطاعة قبل أن تتبدل بالضعف. فهو يغار عليها أن تذهب في غير طاعة الله. ويتدارك قوى العمل الذي لحقه الفتور عنه بأن يكسوه قوة ونشاطا، غيرة له وعليه.
فهذه غيرة العباد على الأعمال. والله أعلم.
[فصل الدرجة الثانية غيرة المريد]
فصل
قال: الدرجة الثانية: غيرة المريد. وهي غيرة على وقت فات. وهي غيرة قاتلة. فإن الوقت وحي التقضي. أبي الجانب، بطي الرجوع.
و " المريدون " هم أرباب الأحوال، و " العباد " أرباب الأوراد والعبادات. وكل مريد عابد. وكل عابد مريد. لكن القوم خصوا أهل المحبة وأذواق حقائق الإيمان
#
