مدارج السالكين — ج 3
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص55
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
قال القشيري: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يفرق بين الشوق والاشتياق. ويقول: الشوق يسكن باللقاء. والاشتياق لا يزول باللقاء. قال: وفي معناه أنشدوا:
ما يرجعالطرف عنه عند رؤيته ... حتى يعود إليهالطرف مشتاقا
وقال النصراباذي: للخلقكلهم مقام الشوق. وليس لهم مقام الاشتياق. ومن دخل في حال الاشتياق هام فيه حتى لا يرى له فيه أثر ولا قرار.
قال الدقاق - في قول موسى {وعجلت إليك رب لترضى} [طه: 84] قال: معناه شوقا إليك. فستره بلفظ الرضا.
وقيل: إن أهل الشوق إلى لقاء الله يتحسون حلاوة القرب عند وروده - لما قد كشف لهم من روح الوصول - أحلى من الشهد. فهم في سكراته في أعظم لذة وحلاوة. وقيل: من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كل شيء. كما قال بعضهم: أنا أدخل في الشوق والأشياء تشتاق إلي. وأتأخر عن جميعها. وفي مثل هذا قيل:
إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت ... عن الماء فاشتاقت إليها المناهل
وكانت عجوز مغيبة. فقدم غائبها من السفر. ففرح به أهله وأقاربه، وقعدت هي تبكي. فقيل لها: ما يبكيك؟ فقالت: ذكرني قدوم هذا الفتى يوم القدوم على الله عز وجل.
يا من شكا شوقه من طول فرقته ... اصبر لعلك تلقى من تحب غدا
وقيل: خرج داود عليه السلام يوما إلى الصحراء منفردا. فأوحى الله تعالى إليه: ما لي أراك منفردا؟ فقال: إلهي استأثر شوقي إلى لقائك على قلبي. فحال بيني وبين
#
