مدارج السالكين — ج 3
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص93
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
رجل، ثم جاءه الموت: لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسره. ثم استيقظ فإذا ليس في يده شيء.
وقال مطرف بن عبد الله - أو غيره -: نعيم الدنيا بحذافيره في جنب نعيم الآخرة: أقل من ذرة في جنب جبال الدنيا.
ومن حدق عين بصيرته في الدنيا والآخرة: علم أن الأمر كذلك.
فكيف يليق بصحيح العقل والمعرفة: أن يقطعه أمل من هذا الجزء الحقير عن نعيم لا يزول، ولا يضمحل؟ فضلا عن أن يقطعه عن طلب من نسبة هذا النعيم الدائم إلى نعيم معرفته ومحبته، والأنس به، والفرح بقربه، كنسبة نعيم الدنيا إلى نعيم الجنة؟ قال الله تعالى {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر} [التوبة: 72] فيسير من رضوانه - ولا يقال له يسير - أكبر من الجنات وما فيها.
وفي حديث الرؤية «فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه» وفي حديث آخر «إنهم إذا رأوه - سبحانه - لم يلتفتوا إلى شيء مما هم فيه من النعيم، حتى يتوارى عنهم» .
فمن قطعه عن هذا أمل، فقد فاز بالحرمان، ورضي لنفسه بغاية الخسران، والله المستعان. وعليه التكلان. وما شاء الله كان.
قوله " ولا تعوقه أمنية " الأمنية: هي ما يتمناه العبد من الحظوظ. وجمعها أماني. والفرق بينها وبين الأمل أن الأمل يتعلق بما يرجى وجوده. والأمنية: قد تتعلق بما لا يرجى حصوله. كما يتمنى العاجز المراتب العالية.
والأماني الباطلة: هي رءوس أموال المفاليس. بها يقطعون أوقاتهم ويلتذون
#
