شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 3

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص95

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

لشدة طلبه الباعث عليه أنسه، الذي قد ذاق طعمه، وتلذذ بحلاوته.

والأنس بالله: حالة وجدانية. وهي من مقامات الإحسان، تقوى بثلاثة أشياء: دوام الذكر، وصدق المحبة، وإحسان العمل.

وقوة الأنس وضعفه: على حسب قوة القرب. فكلما كان القلب من ربه أقرب، كان أنسه به أقوى. وكلما كان منه أبعد، كانت الوحشة بينه وبين ربه أشد.

قوله " ولا يفسده عارض " العارض المفسد: هو الذي يعذل المحب، ويلومه على النشاط في رضا محبوبه وطاعته، ويدعوه إلى الالتفات إليه، والوقوف معه دون مطلبه العالي. فهو كالذي يجيء عرضا يمنع المار في طريقه عن المرور، ويلفته عن جهة مقصده إلى غيرها.

وهذا العارض عند القوم: هو إرادة السوى. فإن كل ما سوى الله فهو عارض. وإرادة السوى: توقف السالك، وتنكس الطالب، وتحجب الواصل. فإياك وإرادة السوىوإن علا. فإنك تحجب عن الله بقدرإرادتك لغيره. قال تعالى إخبارا عن عباده المقربين {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} [الإنسان: 9] وقال تعالى {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} [الأنعام: 52] وقال تعالى {وما لأحد عنده من نعمة تجزى - إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} [الليل: 19 - 20] .

قوله " ولا تكدره تفرقة " الكدر: ضد الصفاء. والتفرقة: ضد الجمعية. والجمعية: هي جمع القلب والهمة على الله بالحضور معه بحال الأنس، خاليا من تفرقة الخواطر. والتفرقة من أعظم مكدرات القلب. وهي تزيل الصفاء الذي أثمره له الإسلام والإيمان والإحسان. فإن القلب يصفو بذلك. فتجيء التفرقة. فتكدر عليه ذلك الصفاء، وتشعث القلب. فيجد الصادق ألم ذلك الشعث وأذاه. فيجتهد في لمه، ولا يلم شعث القلوب بشيء غير الإقبال على الله والإعراض عما سواه. فهناك يلم شعثه، ويزول كدره، ويصح سفره. ويجد روح الحياة، ويذوق طعم الحياة الملكية.

[فصل الدرجة الثالثة ذوق الانقطاع طعم الاتصال]

فصل

قال: الدرجة الثالثة: ذوق الانقطاع طعم الاتصال. وذوق الهمة: طعم،

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية