شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مدارج السالكين — ج 3

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص101

تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت

الشيخ عادته في كل باب أن يقول: " وهو على ثلاث درجات ". وقال هاهنا: " وهو في هذا الباب على ثلاث درجات " فعين " هذا الباب " هنا دون غيره من الأبواب. لأن اللحظ مشترك بين لحظ البصر، ولحظ البصيرة. والشيخ إنما أراد هاهنا هذا الثاني دون الأول. فإن كلامه فيه خاصة.

وهو لما صدر بالآية والأمر بالنظر فيها: إنما توجه إلى الأمر بنظر العين، استدرك كلامه.

وقال: اللحظ الذي نشير إليه في هذا الباب هو لحظ العين. والله أعلم.

قوله " ملاحظة الفضل سبقا " الفضل: هو العطاء الإلهي. و " السبق " هو ما سبق له بالتقدير قبل خروجه إلى الدنيا. كما قال تعالى {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} [الأنبياء: 101] وقال {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات: 171] وهذا الكلام يفسر على معنيين.

أحدهما: أن العبد إذا رأى ما قدره الله له قد سبق به تقديره - فهو واصل إليه لا محالة. ولا بد أن يناله - سكن جأشه. واطمأن قلبه، ووطن نفسه، وعلم «أن ما أصابه لم يكن ليخطئه. وما أخطأه لم يكن ليصيبه» . وأنه ما يفتح الله له وللناس من رحمة فلا ممسك لها. {وما يمسك فلا مرسل له من بعده} [فاطر: 2] . فإذا تيقن ذلك، وذاق طعم الإيمان به: قطع ذلك عليه طريق الطلب من ربه. لأن ما سبق له به القدر كائن واصل لا محالة.

ثم استدرك الشيخ: أن العبد لا بد له من سؤال ربه، والطلب منه. فقال: " إلا ما استحقته الربوبية من إظهار التذلل لها " أي لا يعتقد أن سؤاله وطلبه يجلب له ما ينفعه. ويدفع عنه ما يحذره. فإن القدر السابق قد استقر بوصول المقدور إليه، سأله أو لم يسأله. ولكن يكون سؤاله على وجه التذلل، وإظهار فقر العبودية، وذلها بين يدي عز الربوبية.

فإن الرب سبحانه يحب من عبده أن يسأله ويرغب إليه. لأن وصول بره وإحسانه إليه موقوف على سؤاله. بل هو المتفضل به ابتداء بلا سبب من العبد، ولا توسط سؤاله وطلبه.

بل قدر له ذلك الفضل بلا سبب من العبد، ثم أمره بسؤاله والطلب منه، إظهارا لمرتبة العبودية والفقر والحاجة، واعترافا بعز الربوبية. وكمال غنى الرب، وتفرده بالفضل والإحسان، وأن العبد لا غنى له عن فضله طرفة عين، فيأتي بالطلب والسؤال إتيان من يعلم أنه لا يستحق بطلبه وسؤاله شيئا.

ولكن

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية