المجموع شرح المهذب — ج 1
الإمام النووي • الفقه • ج1 ص17
دار الفكر
وهذه أحرف من كلام العارفين في الإخلاص والصدق:
قال أبو العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إنما يعطى الرجل على قدر نيته: وقال أبو محمد سهل بن عبد الله التستري رحمه الله نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا أن تكون حركاته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى وحده لا يمازجه شئ لا نفس ولا هوى ولا دنيا: وقال السري رحمه الله لا تعمل للناس شيئا ولا تترك لهم شيئا ولا تعط لهم ولا تكشف لهم شيئا: وروينا عن حبيب بن أبي ثابت التابعي رحمه الله أنه قيل له حدثنا فقال حتى تجئ النية: وعن أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله قال ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي إنها تتقلب علي: وروينا عن الأستاذ أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري رحمه الله في رسالته المشهورة قال الإخلاص إفراد الحق في الطاعة بالقصد وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شئ آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس أو محبة مدح من الخلق أو شئ سوى التقرب إلى الله تعالى قال ويصح أن يقال الإخلاص تصفية العقل عن ملاحظة المخلوقين قال وسمعت ابا على الدقاق رحمه الله يقول الاخلاص التوقى عن ملاحظة الخلق والصدق التنقي عن مطالعة النفس (1) فالمخلص لا رياء له والصادق لا إعجاب له: وعن أبي يعقوب السوسي رحمه الله قال متى شهدوا في إخلاصهم الإخلاص احتاج إخلاصهم إلى إخلاص: وعن ذي النون رحمه الله قال ثلاثة من علامات الإخلاص استواء المدح والذم من العامة ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال واقتضاء ثواب العمل في الآخرة: وعن أبي عثمان رحمه الله قال الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق.
وعن حذيفة المرعشي رحمه الله قال الإخلاص أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن: وعن ابى على الفضيل ابن عياض رحمه الله قال ترك العمل لأجل الناس رياء والعمل لأجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما: وعن رويم رحمه الله قال الإخلاص أن لا يريد على عمله عوضا من الدارين ولا حظا من الملكين: وعن يوسف بن الحسين رحمه الله قال أعز شئ في الدنيا الإخلاص: وعن أبي عثمان قال إخلاص العوام ما لا يكون للنفس فيه حظ واخلاص الخواص ما يجرى عليهم لابهم فتبدو منهم الطاعات وهم عنها بمعزل ولا يقع لهم عليها رؤية ولا بها اعتداد: وأما الصدق فقال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) قال القشيري الصدق عماد الأمر وبه تمامه وفيه نظامه وأقله استواء السر والعلانية: وروينا عن سهل بن عبد الله التستري قال لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره: وعن ذي النون رحمه الله قال الصدق سيف الله ما وضع على شئ إلا قطعه: وعن الحارث بن أسد المحاسبي بضم الميم رحمه الله قال الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله ولا يكره اطلاعهم على السئ من عمله لأن كراهته ذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم وليس هذا من أخلاق الصديقين: وعن أبي القاسم الجنيد بن محمد رحمه الله
