شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المجموع شرح المهذب — ج 1

الإمام النووي • الفقه • ج1 ص42

دار الفكر

صاحب الحاوي أن المفتي إذا نابذ في فتواه شخصا معينا صار خصما حكما (1) معاندا فترد فتواه على من عاداه كما ترد شهادته عليه: واتفقوا على أن الفاسق لا تصح فتواه ونقل الخطيب فيه إجماع المسلمين: ويجب عليه إذا وقعت له واقعة أن يعمل باجتهاد نفسه: وأما المستور وهو الذي ظاهره العدالة ولم تختبر عدالته باطنا ففيه وجهان أصحهما جواز فتواه لأن العدالة الباطنة يعمر معرفتها على غير القضاة: والثاني لا يجوز كالشهادة والخلاف كالخلاف في صحة النكاح بحضور المستورين: قال الصيمري وتصح فتاوى أهل الأهواء والخوارج ومن لا نكفره ببدعته ولا نفسقه ونقل الخطيب هذا ثم قال وأما الشراة والرافضة الذين يسبون السلف الصالح ففتاويهم مردودة وأقوالهم ساقطة: والقاضي كغيره في جواز الفتيا بلا كراهة.

هذا هو الصحيح المشهور من مذهبنا: قال الشيخ ورأيت في بعض تعاليق الشيخ أبي حامد أن له الفتوى في العبادات وما لا يتعلق بالقضاء: وفي القضاء وجهان لأصحابنا أحدهما الجواز لأنه أهل والثاني لا لأنه موضع تهمة: وقال ابن المنذر تكره الفتوى في مسائل الأحكام الشرعية (2) : وقال شريح أنا أقضي ولا أفتي * فصل قال أبو عمر والمفتون قسمان مستقل وغيره فالمستقل شرطه مع ما ذكرنا أن يكون قيما (3) بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما التحق بها على التفصيل وقد فصلت في كتب الفقه فتيسرت ولله الحمد: وأن يكون عالما بما يشترط في الأدلة ووجوه دلالتها وبكيفية اقتباس الأحكام منها وهذا يستفاد من أصول الفقه: عارفا من علوم القرآن والحديث والناسخ والمنسوخ والنحو واللغة والتصريف واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن معه من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها: ذا دربة وارتياض في استعمال ذلك: عالما بالفقه ضابطا لأمهات مسائله وتفاريعه فمن جمع هذه الأوصاف فهو المفتي المطلق المستقل الذي يتأدى به فرض الكفاية

وهو المجتهد المطلق المستقل لأنه يستقل بالأدلة بغير تقليد وتقيد بمذهب أحد: قال أبو عمرو وما شرطناه من حفظه لمسائل الفقه لم يشترط في كثير من الكتب المشهورة لكونه ليس شرطا لمنصب الاجتهاد لأن الفقه ثمرته فيتأخر عنه وشرط الشئ لا يتأخر عنه: وشرطه الاستاذ أبو إسحق الاسفراينى وصاحبه أبو منصور البغدادي وغيرهما: واشتراطه في المفتي الذي يتأدى به فرض الكفاية هو الصحيح وإن لم يكن كذلك في المجتهد المستقل: ثم لا يشترط أن يكون جميع الأحكام على ذهنه بل يكفيه كونه حافظا المعظم متمكنا من إدراك الباقي على قرب: وهل يشترط أن يعرف من الحساب ما يصحح به المسائل الحسابية الفقهية حكى أبو اسحق وأبو منصور فيه خلافا لأصحابنا والأصح اشتراطه: ثم

الصفحة السابقة الصفحة التالية