مفتاح دار السعادة
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص23
دار الكتب العلمية - بيروت
منهم النقاش وغيره ان الهبوط الثاني إنما هو من الجنة الى السماء والهبوط الاول الى الارض وهو آخر الهبوطين في الوقوع وان كان اولهما في الذكر وقالت طائفة اتى به على جهة التغليظ والتأكيد كما تقول للرجل اخرج اخرج وهذه الاقوال ضعيفة فأما القول الاول فيظهر ضعفه من وجوه احدها انه مجرد دعوى لا دليل عليها من اللفظ ولا من خبر يجب المصير اليه وما كان هذا سبيله لا يحمل القرآن عليه الثاني ان الله سبحانه قد اهبط ابليس لما امتنع من السجود لادم اهباطا كونيا قدريا لا سبيل له الى التخلف عنه فقال تعالى اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فاخرج انك من الصاغرين وقال في موضع آخر فاخرج منها فانك رجيم وان عليك اللعنة الى يوم الدين وفي موضع آخر اخرج منها مذموما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم اجمعين وسواء كان الضمير في قوله منها راجعا الى السماء او الى الجنة فهذا صريح في اهباطه وطرده ولعنه وادحاره والمدحور المبعد وعلى هذا فلو كانت الجنة فوق السموات لكان قد صعد اليها بعد اهباط الله له وهذا وان كان ممكنا فهو في غاية البعد عن حكمة الله ولا يقتضيه خبره فلا ينبغي ان يصار اليه وأما الوجوه الاربعة التي ذكرتموها من صعوده للوسوسة فهي مع امر الله تعالى بالهبوط مطلقا وطرده ولعنه ودحوره لا دليل عليها لا من اللفظ ولا من الخبر الذي يجب المصير اليه وما هي الا احتمالات مجردة وتقديرات لا دليل عليها الثالث ان سياق قصة اهباط الله تعالى لابليس ظاهرة في أنه اهباط الى الارض من وجوه احدها انه سبحانه نبه على حكمة اهباطه بما قام به من التكبر المقتضى غاية ذله وطرده ومعاملته بنقيض قصده وهو اهباطه من فوق السموات الى قرار الارض ولا تقتضى الحكمة ان يكون فوق السماء مع كبره ومنافاة حاله لحال الملائكة الاكرمين الثاني انه قال فاخرج منها فإنك رجيم وان عليك لعنتي الى يوم الدين وكونه رجيما ملعونا ينفى ان يكون في السماء بين المقربين المطهرين الثالث انه قال اخرج منها مذؤما مدحورا وملكوت السموات لا يعلوه المذموم المدحور ابدا وأما القول الثاني فهو القول الاول بعينه مع زيادة ما لا يدل عليه السياق بحال من تقديم ما هو مؤخر في الواقع وتأخير ما هو مقدم فيه فيرد بما رد به القول الذي قبله وأما القول الثالث وهو أنه للتأكيد فإن أريد التأكيد اللفظي المجرد فهذا لا يقع في القرآن وان اريد به انه مستلزم للتغليظ والتأكيد مع ما يشتمل عليه من الفائدة فصحيح فالصواب ان يقال اعيد الاهباط مرة ثانية لانه علق عليه حكما غير المعلق على الاهباط الاول فإنه علق على الاول عداوة بعضهم بعضا فقال اهبطوا بعضكم لبعض عدو وهذه جملة حالية وهي اسمية بالضمير وحده عند الاكثرين والمعنى اهبطوا متعادين وعلق على الهبوط الثاني حكمين آخرين احدهما هبوطهم جميعا والثاني
#
