مفتاح دار السعادة
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص237
دار الكتب العلمية - بيروت
والحنان رحمة بالفراخ وسلبها إياها عند استغنائها رحمه بالامهات افيجوز ان يكون هذا كله بلا تدبير مدبر حكيم ولا عناية ولا لطف منه سبحانه وتعالى لقد قامت أدلة ربوبيته وبراهين الهيته وشواهد حكمته وآيات قدرته فلا يستطيع العقل لها جحودا إن هي الا مكابرة باللسان من كل جحود كفور أفي الله شك فاطر السموات والأرض وإنما يكون الشك فيما تخفي ادلته وتشكل براهينه فاما من له في كل شيء محسوس او معقول آية بل آيات مؤدية عنه شاهدة له بأنه الله الذي لا اله إلا هو رب العالمين فكيف يكون فيه شك
فصل ثم تأمل الحكمة البالغة في قوائم الحيوان كيف اقتضت ان يكون
زوجا لا فردا اما اثنتين وإما اربعا ليتهيأ له المشي والسعي وتتم بذلك مصلحته إذ لو كانت فردا لم يصلح لذلك لان الماشي ينتقل ببعض قوائمه ويعتمد على بعض فذو القائمتين ينقل واحدة ويعتمد على الاخرى وذو الاربع ينقل اثنتين ويعتمد على اثنتين وذلك من خلاف لأنه لو كان ينقل قائمتين من جانب ويعتمد على قائمتين من الجانب الاخر لم يثبت على الارض حال نقله قوائمه ولكان مشيه نقرا كنقر الطائر وذلك مما يؤذيه ويتبعه لنقل بدنه بخلاف الطائر ولهذا إذا مشى الانسان كذلك قليلا اجهده وشق عليه بخلاف مشية الطبيعي الذي هو له فاقتضت الحكمة تقديم نقل اليمنى من يديه مع اليسرى من رجليه واقرار يسرى اليدين ويمنى الرجلين ثم نقل الاخريين كذلك وهذا أسهل ما يكون من المشي واخفه على الحيوان
فصل ثم تأمل الحكمة البالغة في ان جعل ظهور الدواب مبسوطة كأنها
سقف على عمد القوائم ليتهيأ ركوبها وتستقر الحمولة عليها ثم خولف هذا في الابل فجعل ظهورها مسنمة معقودة كالقبو لما خصت به من فضل القوة وعظم ما تحمله والاقباء تحمل اكثر مما تحمل السقوف حتى قيل إن عقد الاقباء إنما اخذ من ظهور الابل وتأمل كيف لما طول قوائم البعير طول عنقه ليتناول المرعي من قيام فلو قصرت عنقه لم يمكنه ذلك مع طول قوائمه وليكون ايضا طول عنقه موازنا للحمل على ظهره إذا استقل به كما ترى طول قصبة القبان حتى قيل إن القبان إنما عمل من خلقه الجمل من طول عنقه وثقل ما يحمله ولهذا تراه يمد عنقه إذا استقل بالحمل كأنه يوازنه موازنه
فصل ثم تأمل الحكمة في كون فرج الدابة جعل بارزا من ورائها ليتمكن
الفحل من ضرابها
#
