مفتاح دار السعادة
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص239
دار الكتب العلمية - بيروت
ميزه عنه في مطعمه ومسكنه وبيانه وعقله وفهمه ومنها اختلاف الكسوة واللباس وتباينه بحسب تباين احواله وصنائعه وجربه وسلمه وظعنه وإقامته وصحته ومرضه ونومه ويقظته ورفاهيته فلكل حال من هذه الاحوال لباس وكسوة تخصها لا تليق الا بها فلم يجعل كسوته في هذه الاحوال كلها واحدة لا سبيل الى الاسبتدال بها فهذا من تكريمه وتفضيله على سائر الحيوان
فصل ثم تأمل حكمة عجيبة جعلت للبهائم والوحوش والسباع والدواب على
كثرتها لا يرى منها شيء وليس شيئا قليلا فتخفى لقلتها بل قد قيل انها أكثر من الناس واعتبر ذلك بما تراه في الصحارى من اسراب الظباء والبقر والوعول والذئاب والنمور وضروب الهوام على اختلافها وسائر دواب الارض وانواع الطيور التي هي اضعاف اضعاف بني آدم لا تكاد ترى منها شيئا ميتا لا في كناسة ولا في أوكاره ولا في مساقطه ولا في مراعيه بطرقه وموارده ومناهله ومعاقله ومعاصمه الا ما عدا عليه عاد إما افترسه سبع او رماه صائد او عدا عليه عاد اشغله واشغل بني جنسه عن احراز جسمه وإخفاء جيفته فدل ذلك على انها إذا احست بالموت ولم تغلب على انفسها كمنت حيث لا يوصل الى اجسامها وقبرت جيفها قبل نزول البين بها ولولا ذلك لامتلأت الصحارى بجيفها وافسدت الهواء بروائحها فعاد ضرر ذلك بالناس وكان سبيلا الى وقوع الوباء وقد دل على هذا قوله تعالى في قصة ابني آدم {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين} وأما ما جعل عيشه بين الناس كالانعام والدواب فلقدره الانسان على نقله واحتياله في دفع اذيته منع مما جعل في الوحوش كالسباع فتأمل هذا الذي حار بنو آدم فيه وفيما يفعلون به كيف جعل طبعا في البهائم وكيف تعلموه من الطير وتأمل الحكمة في ارسال الله تعالى لابن آدم الغراب المؤذن اسمه بغربة القاتل من اخيه وغربته هو من رحمة الله تعالى وغربته من ابيه وأهله واستيحاشه منهم واستيحاشهم منه وهو من الطيور التي تنفر منها الانس ومن نعيقها وتستوحش بها فأرسل اليه مثل هذا الطائر حتى صار كالمعلم له والاستاذ وصار بمنزلة المتعلم والمستند ولا تنكر حكة هذا الباب وارتباط المسميات فيه بأسمائها فقد قال النبي إذا بعثتم الى بريدا فابعثوه حسن الاسم حسن الوجه وكان يسأل عن اسم الارض إاذ نزلها واسم الرسول إذا جاء اليه ولما جاءهم سهيل ابن عمرو يوم الحديبية قال قد سهل امركم ولما اراد تغيير اسم حزن بسهل قال لم يزل معنى اسمه فيه وفي زريته ولما سأل عمر بن الخطاب الرجل عن اسمه واسم ابيه وداره ومنزله فاخبره
#
