مفتاح دار السعادة
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص251
دار الكتب العلمية - بيروت
فصل ثم تأمل العبرة التي ذكرها الله عز وجل في الانعام وما سقانا
من بطونها من اللبن الخالص السائغ الهنيء المريء الخارج من بين الفرث والدم فتأمل كيف ينزل الغذاء من أفواهها الى المعدة فينقلب بعضه دما باذن الله وما يسرى في عروقها واعضائها وشحومها ولحومها فإذا ارسلته العروق في مجاريها الى جملة الاجزاء قلبه كل عضو او عصب وغضروف وشعر وظفر وحافر الى طبيعته ثم يبقى الدم في تلك الخزائن التي له إذ به قوام الحيوان ثم ينصب ثقله الى الكرش فيصير زبلا ثم ينقلب باقية لبنا صافيا ابيض سائغا للشاربين فيخرج من بين الفرث والدم حتى إذا انهكت الشاة او غيرها حلبا خرج الدم مشوبا بحمرة فصفى الله سبحانه الالطف من الثفل بالطبخ الاول فانفصل الى الكبد وصار دما وكان مخلوطا بالاخلاط الاربعة فأذهب الله عز وجل كل خلط منها الى مقره وخزانته المهيأة له من المرارة والطحال والكلية وباقي الدم الخالص يدخل في اوردة الكبد فينصب من تلك العروق الى الضرع فيقلبه الله تبارك وتعالى من صورة الدم وطبعه وطعمه الى صورة اللبن وطبعه وطعمه فاستخرج من الفرث والدم فسل المعطل الجاحد من الذي دبر هذا التدبير وقدر هذا التقدير واتقن هذا الصنع ولطف هذا اللطف سوى اللطيف الخبير
فصل ثم تأمل العبرة في السمك وكيفية خلقته وأنه خلق غير ذي قوائم
لانه لا يحتاج الى المشي إذ كان مسكنه الماء ولم يخلق له رئة لان منفعة الرئة التنفس والسمك لم يحتج اليه لانه ينغمس في الماء وخلقت له عوض القوائم اجنحة شدادي يقذف بها من جانبيه كما يقذف صاحب المركب بالمقاذيف من جانبي السفينة وكسى لجده قسورا متداخلة كتداخل الجوشن ليقيه من الافات واعين بقوة الشم لان بصره ضعيف والماء يحجبه فصار يشم الطعام من بعد فيقصده وقد ذكر في بعض كتب الحيوان ان من فيه الى صماخه منافذ فهو يصب الماء فيها بفيه ويرسله من صماخيه فيتروح بذلك كما يأخذ الحيوان النسيم البارد بأنفه ثم يرسله ليتروح به فإن الماء للحيوان البحري كالهواء للحيوان البري فهما بحران احدهما الطف من الاخر بحر هواء يسبح فيه حيوان البر وبحر ماء يسبح فيه حيوان البحر فلو فارق كل من الصنفين بحره الى البحر الاخر مات فكما يختنق الحيوان البري في الماء يختق الحيوان البحري في الهواء فسبحان من لايحصى العادون آياته ولا يحيطون بتفصيل آية منها على الانفراد بل ان علموا فيها وجها جهلوا منها اوجها فتأمل الحكمة البالغة في كون السمك اكثر الحيوان نسلا ولهذا ترى في وف السمكة الواحد من البيض مالا يحصى كثرة وحكمة ذلك ان يتسع لما
#
