شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مفتاح دار السعادة

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص270

دار الكتب العلمية - بيروت

عن الاسترخاء وتشويه الصورة ولهذا ترى من سقطت اسنانه كيف تسترخي شفتاه وفي الشفتين منافع عديدة يرشف بها الشراب حتى يكون الداخل منه الى حلقه بقدر فلا يشرق به الشارب ثم هما باب مغلق على الفم الذي اليه ينتهي اليه ما يخرج من الجوف ومنه يبتدي ما يلج فهي فهما عطاء وطابق عليه يفتحهما البواب متى شاء ويغلقهما إذا شاء وهما ايضا جمال وزينة للوجه وفيهما منافع اخرى سوى ذلك وانظر الى من سقطت شفتاه ما اشوه منظره وقد بان ان كل واحد من هذه الاعضاء يتصرف الى وجوه شتى من المنافع والمآرب والمصالح كما تتصرف الاداة الواحدة في اعمال شتى هذا ولو رأيت الدماغ وكشف لك عن تركيبه وخلقه لرايت العجب العجاب وتكشف لك عن تركيب يحار فيه العقل قد لف بحجب وأغشيه بعضها فوق بعض لتصونه عن الاعراض وتحفظه عن الاضطراب ثم اطبقت عليه الجمجمة بمنزلة الخوذة وبيضة الحديد لتقيه حد الصدمة والسقطة والضربة التي تصل اليه فتتلقاها تلك البيضة عنه بمنزلة الخوذة التي على راس المحارب ثم جللت تلك الجمجمة بالجلد الذي هو فروة الراس يستر العظم من البروز للمؤذيات ثم كسيت تلك الفروة حلة من الشعر الوافر وقاية لها وسترا من الحر والبرد والاذى وجمالا وزينة له فسل المعطل من الذي حصن الدماغ هذا التحصين وقدره هذا التقدير وجعله خزانة اودع فيها من المنافع والقوى والعجائب ما اودعه ثم احكم سد تلك الخزانة وحصنها اتم تحصين وصانها اعظم صيانة وجعلها معدن الحواس والادراكات ومن الذي جعل الاجفان على العينين كالغشاء والاشفار كالاشراج والاهداب كالرفوف فوف عليها إذا فتحت ومن الذي ركب طبقاتها المختلفة طبقة فوق طبقة حتى بلغت عدد السموات سبعا وجعل لكل طبقة منفعة وفائدة فلو اختلت طبقة منها لاختل البصر ومن شقهما في الوجه احسن شق واعطاهما احسن شكل وأودع الملاحة فيهما وجعلهما مرآة للقلب وطليعة وحارسا للبدن ورائدا يرسله كالجند في مهماته فلا يتعب ولا يعيا على كثرة ظعنه وطول سفره ومن اودع النور الباصر فيه في قدر جرم العدسة فيرى فيه السموات والارض والجبال والشمس والقمر والبحار والعجائب من داخل سبع طبقات وجعلهما في أعلا الوجه بمنزلة الحارس على الرابية العالية ربيتة للبدن ومن حجب الملك في الصدور وأجلسه هناك على كرسي المملكة واقام جند الجوارح والاعضاء والقوى الباطنة والظاهرة في خدمته وذللها له فهي مؤتمرة إذا امرها منتهية إذا نهاها سامعة له مطيعة تكدح وتسعى في مرضاته فلا تستطيع منه خلاصا ولا خروجا عن امره فمنها رسوله ومنها بريده ومنها ترجمانه ومنها اعوانه وكل منها على عمل لا يتعداه ولا يتصرف في غير عمله حتى إذا أراد الراحة أوعز اليها بالهدو والسكون ليأخذ الملك راحته فإذا استيقظ من منامه قامت جنوده

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية