مفتاح دار السعادة
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص305
دار الكتب العلمية - بيروت
وسياسته لهم دون تفاصيل كل فعل من افعاله اللهم إلا ان يبلغ الامر في ذلك مبلغا لا يوجد لفعله منفذ ومساغ في المصلحة اصلا فحينئذ يخرج بذلك عن استحاق اسم الحكيم ولن يجد احد في خلق الله ولا في أمره ولا واحدا من هذا الضرب بل غاية ما تخرجه نفس المتعنت امور يعجز العقل عن معرفة وجوهها وحكمتها وأما ان ينفى ذلك عنها فمعاذ الله إلا ان يكون ما اخرجه كذب على الخلق الامر فلم يخلق الله ذلك ولا شرعة وإذا عرف هذا فقد علم ان رب العالمين احكم الحاكمين والعالم بكل شيء والغني عن كل شيء والقادر على كل شيء ومن هذا شأنه لم تخرج أفعاله وأوامره قط عن الحكمة والرحمة والمصلحة وما يخفى على العباد من معاني حكمته في صنعه وابداعه وامره وشرعه فيكفيهم فيه معرفته بالوجه العام ان تضمنته حكمة بالغة وإن لم يعرفوا تفصيلها وأن ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله به فيكفيهم في ذلك الاسناد إلى الحكمة البالغة العامة الشاملة التي علموا ما خفي منها بما ظهر لهم هذا وأن الله تعالى بني امور عباده على ان عرفهم معاني جلائل خلقه وأمره دون دقائقهما وتفاصيلهما وهذا مطرد في الاشياء اوصولها وفروعها فأنت إذا رايت الرجلين مثلا أحدهما اكثر شعرا من الاخر أو اشد بياضا او احد ذهنا لامكنك ان تعرف من جهة السبب الذي اجرى الله عليه سنة الخلقية وجه اختصاص كل واحد منهما بما اختص به وهكذا في اختلاف الصور والاشكال ولكن لو اردت ان تعرف ماذا كان شعر هذا مثلا يزيد على شعر الاخر بعدد معين او المعنى الذي فضله به في القدر المخصوص والتشكيل المخصوص ومعرفة القدر الذي بينهما من التفاوت وسببه لما أمكن ذلك اصلا وقس على هذا جميع المخلوقات من الرمال والجبال والاشجار ومقادير الكواكب وهيآتها وإذا كان لا سبيل الى معرفة هذا في الخلق بل يكفي فيه العلة العامة والحكمة الشاملة فهكذا في الامر يعلم ان جميع ما امر به متضمن لحكمة بالغة واما تفاصيل اسرار المأمورات والمنهيات فلا سبيل الى علم البشرية ولكن يطلع الله من شاء من خلقه على ما شاء منه فاعتصم بهذا الاصل تم الجزء الاول من كتاب مفتاح دار السعادة ويليه الجزء الثاني واوله فصل حاجة الناس الى الشريعة ضرورية
#
