شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مفتاح دار السعادة

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج2 ص43

دار الكتب العلمية - بيروت

وتعالى قيام الصفة به فيرجع إليه حكمها ويشتق له اسمها أم يرجع إلى المخلوق فقط من غير أن يعود إلى الرب منها حكم أو يشتق له منها اسم الأصل الثالث هل تعلق إرادة الرب تعالى بجميع الأفعال تعلق واحد فما وجد منها مراد له محبوب مرضى طاعة كان أو معصية وما لم يوجد منها فهو مكروه له مبغوض غير مراد طاعة كان أو معصية فهو يحب الأفعال الحسنة التي هي منشأ المصالح وأن لم يشأ تكوينها وإيجادها لأن في مشيئة لإيجادها فوات حكمة أخرى هي أحب إليه منها ويبغض الأفعال القبيحة التي هي منشأ المفاسد ويمنعها ويمقت أهلها وأن شاء تكوينها وإيجادها لما تستلزمه من حكمه ومصلحة هي أحب إليه منها

ولا بد من توسط هذه الأفعال في وجودها فهذه الأصول الثلاثة عليها مدار هذه المسئلة ومسائل القدر والشرع وقد اختلف الناس فيها قديما وحديثا إلى اليوم فالجبرية تنفي الأصول الثلاثة وعندهم أن الله لا يفعل لحكمة ولا يأمر لها ولا يدخل في أمره وخلقه لام التعليل بوجه وإنما هي لام العاقبة كما لا يدخل في أفعاله باء السببية وإنما هي باء المصاحبة ومنهم من يثبت الأصل الثالث وينفي الاصلين الأولين كما هو أحد القولين للأشعري وقول كثير من أئمة أصحابه وأحد القولين لأبي المعالي والمشهور من مذهب المعتزلة إثبات الأصل الأول وهو التعليل بالحكم والمصالح ونفي الثاني بناء على قواعدهم الفاسدة في نفي الصفات

فأما الأصل الثالث فهم فيه ضد الجبرية من كل وجه فهما طرفا نقيض فأنهم لا يثبتون لأفعال العباد سوى المحبة لحسنها والبغض لقبحها وأما المشيئة لها فعندهم أن مشيئة الله لا تتعلق بها بناء منهم على نفي خلق أفعال العباد فليست عندهم إرادة الله لها إلا بمعنى محبته لحسنها فقط وأما قبيحها فليس مراد الله بوجه وأما الجبرية فعندهم انه لم يتعلق بها سوى المشيئة والإرادة وأما المحبة عندهم فهي نفس الإرادة والمشيئة فما شاءه فقد أحبه ورضيه وأما أصحاب القول الوسط وهم أهل التحقيق من الأصوليين والفقهاء والمتكلمين فيثبتون الأصول الثلاثة فيثبتون الحكمة المقصودة بالفعل في أفعاله تعالى وأوامره ويجعلونها عائدة إليه حكما ومشتقا له اسمها فالمعاصي كلها مقوتة مكروهة وإن وقعت بمشيئته وخلقه والطاعات كلها محبوبة له مرضية وإن لم يشاها ممن لم يطعه ومن وجدت منه فقد تعلق بها المشيئة والحب فما لم يوجد من أنواع المعاصي فلم تتعلق به مشيئة ولا محبته وما وجد منها تعلقت به مشيئته دون محبته وما لم يوجد من الطاعات المقدرة تعلق بها محبته دون مشيئته وما وجد منها تعلق به محبته ومشيئته ومن لم يحكم هذه الأصول الثلاثة لم يستقر له في مسائل الحكم والتعليل والتحسين والتقبيح قدم بل لا بد من تناقضه ويتسلط عليه خصومه من جهة نفيه لواحد منها ولهذا لما رأى القدرية والجبرية أنهم لو سلموا للمعتزلة شيئا من هذه تسلطوا عليهم به سدوا على أنفسهم الباب

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية