مفتاح دار السعادة
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص73
دار الكتب العلمية - بيروت
عليهم والعيب والذم لهم كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم فإن قلوبهم ممتلئة نحلا وغشا ولهذا تجد الرافضة ابعد الناس من الاخلاص اغشهم للائمة والامة واشدهم بعدا عن جماعة المسلمين فهؤلاء اشد الناس غلا وغشا بشهادة الرسول والامة عليهم وشهادتهم على انفسهم بذلك فانهم لايكونون قط الا اعوانا وظهرا على اهل الاسلام فاي عدو قام للمسلمين كانوا اعوان ذلك العدو وبطانته وهذا امر قد شاهدته الامة منهم ومن لم يشاهد فقد سمع منه ما يصم الاذان ويشجي القلوب وقوله فإن دعوتهم تحيط من ورائهم هذا من احسن الكلام وأوجزه وافخمه معنى شبه دعوة المسلمين بالسور والسياج المحيط بهم المانع من دخول عدوهم عليهم فتلك الدعوة التي هي دعوة الاسلام وهم داخلونها لما كانت سورا وسياجا عليهم اخبر ان من لزم جماعة المسلمين احاطت به تلك الدعوة التي هي دعوة الاسلام كما احاطت بهم فالدعوة تجمع شمل الامة وتلم شعثها وتحيط بها فمن دخل في جماعتها احاطت به وشملته الوجه الثالث والخمسون ان النبي امر بتبليغ العلم عنه ففي الصحيحين من حديث عبد الله ابن عمرو قال قال رسول الله بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وقال ليبلغ الشاهد منكم الغائب روى ذلك ابو بكرة ووابصة بن معبد وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس واسماء بنت يزيد بن السكن وحجير وابو قريع وسرى بنت نبهان ومعاوية بن حيدة القشيري وعم ابي حرة وغيرهم فأمر بالتبلغ عنه لما في ذلك من حصول الهدى بالتبلغ وله اجر من بلغ عنه واجر من قبل ذلك البلاغ وكلما كثر التبلغ عنه تضاعف له الثواب فله من الاجر بعدد كل مبلغ وكل مهتد بذلك البلاغ سوى ماله من اجر عمله المختص به فكل من هدى واهتدى بتبليغه فله اجره لانه هو الداعي اليه ولو لم يكن في تبليغ العلم عنه الا حصول ما يحبه لكفى به فضلا وعلامة المحب الصادق ان يسعى في حصول محبوب محبوبه ويبذل جهده وطاقته فيها ومعلوم انه لا شيء احب الى رسول الله من ايصاله الهدى الى جميع الامة فالمبلغ عنه ساع في حصول محابه فهو اقرب الناس منه واحبهم اليه وهو نائبه وخليفته في امته وكفى بهذا فضلا وشرفا للعلم واهله الوجه الرابع والخمسون ان النبي قدم بالفضائل العلمية في أعلا الولايات الدينية واشرفها وقدم بالعلم بالافضل على غيره فروى مسلم في صحيحه من حديث ابي مسعود البدري عن النبي يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فاقدمهم إسلاما او سنا وذكر الحديث فقدم في الامامة تفضيله العلم على تقدم الاسلام والهجرة ولما كان
#
