منهاج السنة النبوية — ج 2
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج2 ص319
تحقيق: محمد رشاد سالم — جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
سبحانه وتعالى، ومعلوم أن كون الشيء لا يرى ليس صفة مدح، لأن النفي المحض لا يكون مدحا إن لم يتضمن أمرا ثبوتيا، ولأن المعدوم (1) أيضا لا يرى، والمعدوم لا يمدح، فعلم أن مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه.
[وهذا أصل مستمر، وهو أن العدم المحض الذي لا يتضمن ثبوتا لا مدح فيه ولا كمال، فلا يمدح الرب نفسه به، بل ولا يصف نفسه به، وإنما يصفها بالنفي المتضمن معنى ثبوت، كقوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} وقوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ، وقوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} ، وقوله: {ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم} [سورة البقرة: 255] وقوله: {لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} [سورة سبأ: 3] ، وقوله: {وما مسنا من لغوب} [سورة ق: 38] ، ونحو ذلك من القضايا السلبية التي يصف الرب تعالى بها نفسه، وأنها تتضمن اتصافه بصفات الكمال الثبوتية، مثل كمال حياته وقيوميته وملكه وقدرته وعلمه وهدايته وانفراده بالربوبية والإلهية ونحو ذلك. وكل ما يوصف به العدم المحض فلا يكون إلا عدما محضا، ومعلوم أن العدم المحض يقال فيه: إنه يرى، فعلم أن نفي الرؤية عدم محض، ولا يقال في العدم المحض: لا يدرك، وإنما يقال: هذا فيما لا يدرك لعظمته لا لعدمه] (2) .
[وإذا (3) كان المنفي هو الإدراك، فهو سبحانه وتعالى (4) لا يحاط به
