منهاج السنة النبوية — ج 2
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج2 ص444
تحقيق: محمد رشاد سالم — جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
ولهذا اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على أنه إذا سلم عليه وأراد أن يدعو استقبل القبلة ودعا ولا يدعو مستقبل القبر. ثم قالت طائفة كأبي حنيفة: إذا سلم عليه يستقبل القبلة أيضا ويستدير القبر ويجعله عن يساره، وقال الأكثرون - مالك والشافعي وأحمد وغيرهم - بل عند السلام يستقبل القبر ويستدبر الكعبة، وأما عند الدعاء فإنما يدعو الله وحده كما يصلي لله وحده فيستقبل القبلة، كما يستقبل القبلة إذا دعا بعرفة والصفا والمروة وعند الجمرات.
وكره مالك بن أنس وغيره أن يقول القائل: زرت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك أن هذا اللفظ قد يراد به ما هو منهي عنه من الزيارة البدعية كالزيارة لطلب الحوائج منه، فكرهوا أن يتكلم بلفظ يتضمن شركا أحدثه الناس في هذا اللفظ من المعاني الفاسدة، وإن كان لفظ الزيارة إذا عني به الزيارة الشرعية لا بأس به. وذكر مالك أنه لم ير أحدا من السلف يقف عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو لنفسه وغير هذا من البدع، وقال: إنما يصلح آخر هذه الأمة ما أصلح أولها. ومالك قد أدرك التابعين بالمدينة وغيرها، وهم كانوا أعلم خلق الله إذ ذاك بما يجب من حق الله وحق رسوله.
فإذا كان هذا (1) في حق خير خلق الله، وأكرمهم على الله، وسيد ولد آدم، وصاحب لواء الحمد الذي آدم ومن دونه تحت لوائه يوم القيامة، وهو خطيب الأنبياء إذا وفدوا على ربهم، وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا، وهو صاحب المقام المحمود يوم القيامة الذي يغبطه به الأولون والآخرون،
